http://www.museumsalama.com/vb/asaelsoud/images/header_01.jpg http://www.museumsalama.com/vb/asaelsoud/images/header_02.jpg http://www.museumsalama.com/vb/asaelsoud/images/header_03.jpg

 

 
العودة   منتديات متحف الشيخ سلامة بن رشدان الجهني للمقتنيات التراثية > المنتديات التاريخية والاثرية > منتدى تاريخ و اثار الجزيره العربيه
منتدى تاريخ و اثار الجزيره العربيه History and Archaeology of the Arabian Peninsula Forum
 
موضوع مغلق
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
 
قديم 11-24-2010, 11:33 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو نشيط
 
الصورة الرمزية الطيب
 

 
إحصائية العضو







اخر مواضيعي
 

الطيب غير متواجد حالياً


افتراضي مراحل قيام الدولة السعودية ( الاولى والثانية والثالثة )

مراحل قيام الدولة السعودية ( الاولى والثانية والثالثة )

نسب آل سعود :

يرجع نسب الأسرة السعودية الكريمة إلى بني حنيفة البكرية الوائلية، وهذا هو الثابت من أقوال النسابين والمؤرخين. ومن حيث النسب فإن بني حنيفة هم أبناء: حنيفة بن لُجَيْم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب بن أفصَى بن دُعْمِي بن جديلة بن أسد بن رَبيعة بن نزار بن مَعَد بن عَدنان .

أما من الناحية المكانية فإن وادي العرض المعروف بوادي حنيفة نسبة إلى حنيفة بن لجيم هو مقر قبيلة بني حنيفة بن لُجَيْم بن صَعب بن علي بن بَكر بن وائل، عرفت به، وعرف بها منذ العصر الجاهلي؛ حتى سُمي وادي اليمامة: وادي حنيفة.

والمعروف لدى أوائل المؤرخين والنسابين أن بني حنيفة وفدت إلى بلاد اليمامة، قادمة من ديارها الأصلية في الحجاز وعالية نجد، حيث كانت تقيم قبائل بكر وتغلب الوائليتين. ويورد المؤرخون قصة طويلة لقدوم بني حنيفة إلى اليمامة مفادها أنه: (خَرَجَتْ بنو حنيفة بن لُجَيم بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل يتبعون الريف ويرتادون الكلأ، حتى قاربوا اليمامة على السمت الذي كانت عبدالقيس سلكته لما قدمت البحرين، فخرج عُبَيْد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة منتجعًا بأهله وماله، يتبع مواقع القطر، حتى هجم على اليمامة، فنـزل موضعاً يقال له قاراتُ الحُبَل، وهو من حَجْر على يوم وليلة، فأقام بها أياماً، ومعه جارٌ من اليمن من سعد العشيرة، ثم من بني زُبَيْد، فخرج راعي عبَيْد حتى أتى قاع حَجْرٍ، فرأى القصور والنخل، وأرضاً عرف أنَّ لها شأناً، وهي التي كانت لطَسْم وجَدِيس فبادوا في اليمامة، فرجع الراعي حتى أتى عبيداً، فقال: والله إني رأيت آطاماً طوالاً، وأشجاراً حِسَاناً هذا حملها، وأتى بالتمر معه مما وجده منتثراً تحت النخل، فتناول منه عبيد وأكل، وقال: هذا والله طعام طيب! وأصبح فأمر بجزور فنحرت، ثم قال لبنيه وغلمانه: اجتزروا حتى آتيكم، وركب فرسه، وأردف الغلام خلفه، وأخذ رمحه حتى أتى حَجْراً، فلما رآها لم يَحُلْ عنها، وعرف أنها أرضٌ لها شأن، فوضع رمحه في الأرض، ثم دفع الفرس، واحتجر ثلاثين قصراً وثلاثين حديقة، وسماها حَجْراً، وكانت تسمى اليمامة، ثم ركز رمحه في وسطها، ورجع إلى أهله، فاحتملهم حتى أنزلهم بها... وتسامعَت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل بما أصاب عُبَيد بن ثعلبة فأقبلوا، فنـزلوا قُرَى اليمامة).

ويقدر الشيخ حمد الجاسر نزول بني حنيفة في اليمامة، واتخاذهم لحجر اليمامة حاضرة وموضعاً ومستقراً بحوالي مئتي سنة قبل البعثة. والدليل على ذلك أن عُبَيد بن ثعلبة الذي احتجر القصورَ والحدائقَ في حَجْر كما تقدم هو الأب الرابع لثمامة بن أثال بن النعمان بن مَسْلَمة بن عبيد بن ثعلبة، وهو ممن أدرك الإسلام ، ووفد على الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وقصة إسلامه ذكرها المؤرخون وموجزها ((... ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة ملك اليمامة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان من أهل حجر ، ويساوي هوذة بن علي في الشرف.

عزم قبل إسلامه على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فمنعه عمه من ذلك ولعله قام بمحاولته هذه حينما كان هو وقومه بنو حنيفة يفدون إلى مكة للحج أو التجارة والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس ي تجمعاتهم إلى عبادة الله وحده.

ودعا رسول الله عليه أن يمكنه الله منه ، فخرج وهو على شركه معتمراً فدخل المدينة فأخذ إلى الرسول فأمر به فربط إلى عمود من عمد المسجد ، وبقي كذلك حتى عفى عنه الرسول ، فذهب إلى حائط من حيطان المدينة ، وقيل : خرج حتى أتى البقيع فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وقال : ((يا محمد لقد كنت وما وجد أبغض إلي من وجهك ولا دين أبغض إلي من دينك ولا بلد أبغض إلي من بلدك ، ثم لقد أصبحت وما وجد أحب إلي من وجهك ، ولا دين أحب إلي من دينك ولا بلد أحب إلى من بلدك وإني أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)).

وبعد اعتناقه للإسلام طلب من الرسول عليه الصلاة والسلام إمضاء عمرته فكان أول من دخل مكة ملبياً ، وسمعت به قريش وقالت صبأ ثمامة فقال : والله ما صبأت ولكنني أسلمت وصدقت محمداً وآمنت به .

وتحقيقاً لصدق إسلامه أسهم في حصار قريش وهي على الشرك حين قال لهم : ((ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً فجهدت قريش وكتبوا إلى الرسول يسألونه بأرحامهم إلا كتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر الكلاعي : أن ثمامة أستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يغزو بني قشير ، لأنهم قتلوا أثالاً في الجاهلية فأذن له فغزاهم وبعث إلى الرسول بالخمس.

وصار ثمامة عاملاً للرسول صلى الله عليه وسلم على ((حجر اليمامة)).

وثبت ثمامة على إسلامه حين ظهرت الردة ونصح قومه بالثبات على الإسلام وقال : ((إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد وإن محمداً رسول الله لا نبي بعده ولا نبي يشرك معه)).

وبصفته عاملاً للرسول صلى الله عليه وسلم على حجر اليمامة فقد بعث الرسول إليه فرات بن حيان العجلي يأمره بقتال مسيلمة لأنه بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ردة مسيلمة وخروجه.

ولما غلب مسيلمة على حجر اليمامة كتب ثمامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره بغلبة مسيلمة على حجر ، وأنه خرج بمن معه من المسلمين عنها.

وكانت نهاية ثمامة – رضي الله عنه – أن قتل بعد أن اشترك مع العلاء بن الحضرمي في فك الحصار عن المسلمين في جواثي في عام 11هـ/632م. وشهد مع خالد بن الوليد رضي الله عنه معركة اليمامة ضد مسيلمة في السنة الثانية عشرة من الهجرة.

وعبيد هو الأب الرابع لمُجَّاعةَ بن مُرَارة بنِ سُلْمِي بن زيد بن عبيد بن ثعلبة، وهو من رؤساء بني حنيفة وذوي الرأي فيهم، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبوه مُرَارة، فأقطعه عليه الصلاة والسلام الغَوْرة وغُرَابَةَ والحُبَل، وكتب له كتاباً، وله أخبار في الرِّدة مع خالد بن الوليد رضي الله عنه، وتزوج خالد ابنته، وعاش إلى أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وله شعر وأقوال فيها حكم.

الدولة السعودية الأولى

بدأت عام 1157هـ، 1744م وانتهت بعقد اتفاق الصلح الموقع مع إبراهيم باشا عام 1233هـ، 1818م.

ينتسب آل سعود إلى جدهم سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي وينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل من القبائل العدنانية الأصيلة.

تاريخ آل سعود القديم

أما تاريخهم القديم فهناك أخبار متناثرة في عدد من المصادر المتنوعة تشير إلى جذورهم التاريخية في المناطق التي تكونت منها الدولة السعودية، ترجع إلى ما قبل ظهور الإسلام، فقد سكنت القبيلة التي ينتمون إليها منطقة اليمامة في العصر الجاهلي، وأول من سكن هذه المنطقة عبيد بن ثعلبة
، وهو الأب الخامس والعشرون للإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ وذلك حسب سلسلة النسب المتداولة.

ولما انتشر الإسلام انصهرت هذه المنطقة في بوتقة الدولة الإسلامية، وصار الخلفاء يعينون عليها ولاة من قبلهم، ولما ضعف شأن الجزيرة العربية بانتقال مركز الخلافة عنها، صار تعيين ولاة اليمامة أمرًا شكليا مما تسبب في وجود فراغ سياسي وقيادي نتج عنه انفصال المنطقة، واستقلال الأخيضريين بحكمها في منتصف القرن الثالث الهجري 253هـ، 867م وقد اتسمت سياسة دويلة الأخيضريين بالجور والحيف ـ كما تشير إلى ذلك القصص التاريخية ـ مما دفع أسلاف آل سعود إلى ترك المنطقة وتفرقهم، فأسست فرقة منهم إمارة لها في عالية نجد ، واتخذوا أضُاخ
قاعدة لها حتى غلبتهم عليها قبيلة بني لام أثناء سيطرتها على نجد وطرق الحج فرحل فريق منهم إلى الأحساء، وهناك اختطوا لهم بلدًا سمّوه الدرعية وفريق عادوا إلى العارض
، وكان ذلك حوالي منتصف القرن السابع الهجري، ويذكر ابن بطوطة أنهم يحكمون اليمامة، وقاعدتها حَجْر وأميرهم طفيل بن غانم
وقد حج معه ابن بطوطة عام 732هـ، 1331م.
وورد أول ذكر لتاريخ آل سعود في تاريخ الفاخريّ في حوادث سنة 850هـ، 1446م، فذكر الفاخريّ وغيره من مؤرخي نجد أن مانعًا المريديّ جد آل سعود كان يقيم في موضع يسمى بالدرعيّة بلد الدروع
قرب بلدة القطيف بمنطقة الأحساء، ومنها رحل عام 850هـ، 1446م إلى حجر اليمامة بناءً على دعوة وجهت إليه من ابن عمه ابن درع صاحب حجر والجزعة، فأقطعه ابن عمه هذا موضعين هما: المليبيد، وغصيبة، فاستقر فيهما مانع وأسرته، وعمروهما بالزراعة. ويرجح أن مانعًا وأسرته هم الذين سموا موضعهم الجديد باسم الدرعية نسبة إلى موطنهم الأول بلد الدروع أو إلى أسرتهم تخليدًا لها، وهي أمور أجمع المؤرخون عليها.

وبناءً عليه فإن حكم الأسرة السعودية ممتد في جذوره إلى زمن بعيد.

أدوار التاريخ السعوديّ.

يتفق المؤرخون في العصر الحديث على تقسيم تاريخ الدولة السعودية إلى ثلاثة أدوار تاريخية هي:

الدور الأول

وتبدأ حوادثه التاريخية عام 1157هـ، 1744م، يوم أن تم اللقاء التاريخيّ بين حاكم الدرعيّة وأميرها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن والإمام المجدد المصلح الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي بن مشرف التميمي الحنبلي النجديّ. وينتهي هذا الدور عام 1233هـ، 1818م، بعد سقوط الدرعيّة، عاصمة الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا، قائد العسكر العثماني المصريّ الذي أرسله محمد علي باشا، والي مصر العثمانية، للقضاء على الدولة السعودية الأولى. انظر: محمد عبد الوهاب.

الدور الثاني


ويبدأ هذا الدور بالمحاولات المبكرة التي قام بها الأميران السعوديان: مشاريّ بن سعود بن عبدالعزيز، وتركي بن عبدالله بن محمد آل سعود من أجل إعادة بناء دولة آل سعود من جديد. وينتهي هذا الدور عام 1309هـ، 1891م لما استأثر آل رشيد بحكم نجد، ورحل الإمام السعوديّ عبدالرحمن بن فيصل بن تركي، آخر أئمة هذا الدور إلى الكويت ومعه جميع أفراد أسرته من آل سعود.

الدور الثالث

وتبدأ حوادثه التاريخية عام 1319هـ، 1902م، وهو العام الذي تمكن فيه الملك عبدالعزيز آل سعود من استعادة الرياض من حكم آل رشيد، كبداية طبيعية لقيام الدولة السعودية الحديثة، وريثة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية.

قيام الدولة السعودية الأولى

بدأ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1157هـ، 1744م، العام الذي انتقل فيه الشيخ محمد بن عبدالوهاب من بلدة العُيَيْنة إلى الدرعيّة، وبايعه أميرها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن على العمل لتصحيح العقيدة، وتطبيق الشريعة الإسلامية الغراء، وتحقيق التوحيد، وأن يكون الأمير محمد بن سعود إمامًا للمسلمين وذريته من بعده، وهو ماعرف في التاريخ باتفاق الدرعيّة
الذي يعدّ بحق نقطة تحول مهمة في تاريخ نجد الحديث خصوصًا وتاريخ الجزيرة العربية عمومًا. وقد استقبل أمير الدرعية الشيخ وأتباعه وصحبه استقبالاً حسنًا يليق بالعلماء والدعاة، مما يدل على عمق فهمه، وبعد نظره، وصواب فكره السياسي والعقدي.

وقد هيأ الأمير محمد بن سعود للجميع جوًا من الطمأنينة والأمن والاستقرار.

واتفق الطرفان المتعاهدان على الآتي:

أن ينصر الأمير محمد ابن سعود الشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته، وأن يجاهدا معًا ضد من يخالف التوحيد.

اشترط الأمير محمد بن سعود على الشيخ محمد بن عبدالوهاب أنه في حال نجاح الدعوة السلفية الإصلاحية وتوسع الدولة القائمة على مبادئها عدم الرحيل عنه، فوافق الشيخ محمد بن عبدالوهاب على ذلك قائلاً: ¸ابسط أيها الأمير يدك. الدم بالدم والهدم بالهدم·.

كان لأمير الدرعية ضرائب يأخذها من الأهالي في أوقات الثمار، وأراد الأمير أن يبقيها مفروضة عليهم، فرد الشيخ عليه قائلاً:
¸فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ماهو خير منها·.

وبعد هذا الحوار الاتفاقي بسط الأمير محمد بن سعود ابن محمد بن مقرن يده فبايع الشيخ محمد بن عبدالوهاب على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويتضح من نص هذا الاتفاق أنه كان اتفاقًا شفويًا، ولو أنه جاء مكتوبًا لأصبح وثيقة تاريخية مهمة من وثائق التاريخ الإسلامي الحديث، ولصار بمقدورنا معرفة تاريخ الاتفاق بشكل دقيق. وهكذا بزغ فجر الدولة السعودية الأولى، وكان أساس قيامها مبنيًا على الأصول الإسلامية ومبادئ الشريعة الإسلامية.

التدرج في نشر الدعوة.

من المعروف أن أئمة الدولة السعودية الأولى هم: محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وعبدالعزيز بن محمد بن سعود، وسعود بن عبدالعزيز، وعبدالله بن سعود آخر أئمة هذه الدولة. ومن المعروف أيضًا أنه أصبح على كاهل الدولة الجديدة الفتية واجب كبير، تمثل هذا الواجب في القيام بنشر دعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب السلفية الإصلاحية في ربوع بلدان نجد أولاً، ثم في ربوع الجزيرة العربية ثانيًا، ثم في العالم الإسلامي خارج الجزيرة العربية ثالثًا.

وهذا الأمر متفق عليه في اتفاق الدرعية، وعهد على الدولة السعودية الأولى التي قامت على أساسه، والتي لقب أميرها بلقب إمام لما في هذا اللقب من المفهومين: السياسي والديني.

وطبيعي أن نشر الدعوة ليس أمرًا هينًا وقتذاك في ظل ظروف قاسية، ولذا فإن مثل هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير. خاصة وأنه سيصطدم بمقاومة ومعارضة كبيرة من عدد من القوى المحلية والخارجية، لأنه عندما عم خبر الاتفاق أرجاء نجد خصوصًا والجزيرة العربية عمومًا؛ خشي الكثير من رؤساء البلدان النجدية وغير النجدية هذا الحدث الجديد لأنهم أيقنوا أن هذا الأمر يمس مواقعهم وقد يلغيها. فقد عدّ معظم رؤساء البلدان النجدية الذين عارضوا الدولة والدعوة معًا، أن مثل هذا الكيان السياسي الجديد، القائم على الدين الإسلامي، سيفقدهم مراكزهم وقوتهم وزعاماتهم وامتيازاتهم. وكذا الحال بالنسبة للزعامات المحلية في الأقاليم المجاورة لنجد.

وعدّت الدولة العثمانية الدولة السعودية كيانًا سياسيًا يتحدى وجودها السياسي وزعامتها الدينية في العالم الإسلامي.

بدأت الدولة السعودية الأولى تمارس مسيرة التطبيق والبناء في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. فأخذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب يكاتب العلماء ورؤساء البلدان وشيوخ القبائل وغيرهم، شارحًا لهم مبادئ دعوته الإصلاحية وحقيقتها، داعيًا إياهم إلى تطبيق تلك المبادئ، والانضمام إلى الدولة السعودية الأولى، فاختاروا الحل السلميّ في المقام الأول منذ أيامها الأولى، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أمراء العيينة، وحريملاء، ومنفوحة.

وأرسلت الدولة السعودية عددًا من العلماء والبعثات التعليمية إلى أنحاء مختلفة من أقطار الجزيرة العربية لتذكير الناس وتبصيرهم بحقيقة دعوة الشيخ الإصلاحية وماقامت عليه تلك الدعوة من أساس ديني يتمثل في العودة بالمسلمين إلى العقيدة الصحيحة النقية من شوائب البدع والخرافات. وهكذا نلحظ في البداية أن الدولة السعودية الأولى أخذت على كاهلها توحيد بلدان نجد أولاً في دولة واحدة تطبق مبادئ الدعوة السلفية، محاولة ما أمكنها استخدام أسلوب الحل السلمي أولاً، ثم أسلوب القوَّة في حال فشل الأسلوب السلمي من جهة، وزيادة حدة المعارضة وضغطها من جهة أخرى.

اتَّخذت الدولة السعودية الأولى بلدان نجد ومناطقها ميدانًا أول وأرحب للتطبيق خصوصًا في البلدان المحيطة بالدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى. وبعدها أخذت الدولة توسع دائرة حدودها وتنشر دعوتها وبشكل تدريجي في مناطق نجد وفي المناطق الأخرى غير النجدية حتى تكتمل صورة التوحيد السياسي المبني على أسس الدعوة السلفية وفكرها الديني.

الجهد الحربي للدولة في بلدان نجد.

تميزت علاقة الدولة السعودية الأولى بالمعارضة، في نجد وخارجها، بالكفاح المسلح واستخدام الحل العسكري. فخاضت الدولة السعودية الأولى سلسلة طويلة من الحروب المضنية والشاقة على طول تاريخها.

وتعد حروبها مع دهام بن دوّاس، أمير بلدة الرياض وقتذاك، من أطول الحروب التي خاضتها ضد القوى النجدية المعارضة التي تصدت لمقاومة الدولة السعودية الأولى، وهي مازالت في مطلع نشأتها وتأسيسها.

فجاهر هذا الحاكم النجدي بعدائه القوي لحكومة الدرعية منذ عام 1159هـ، 1746م، أي بعد اتفاق الدرعية والرياض، بقرابة ثمان وعشرين سنة، وانتهى الصراع أخيرًا بضم الرياض إلى الدولة السعودية عام 1187هـ، 1773م في عهد الإمام الثاني من أئمة الدولة السعودية الأولى، عبدالعزيز بن محمد بن سعود.

وبضم الرياض تكون الدولة السعودية قد أزاحت من طريقها معارضًا قويًا وعنيفًا هو دهام بن دوّاس، مما ساهم إلى حد كبير في حل كثير من المشكلات السياسية والاقتصادية التي كانت تعترض سبيل الدولة السعودية الأولى، وتؤثر بشكل أو بآخر على عملية إعداد الحملات العسكرية السعودية خصوصًا في الوقت الذي كانت فيه الدولة مشغولة بأمور البناء والتأسيس وصد هجمات أعدائها عليها، ليس في نجد فحسب، وإنما في خارجها أيضًا.

وظلت الدولة السعودية الأولى تمارس الجهدين: السلمي والعسكري في منطقة نجد حتى السنوات الأولى من مطلع القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي). عندها تمكنت الدولة من بسط سيادتها على جميع بلدان نجد، وتطبيق مبادئ الدعوة الإصلاحية فيها، وهو أمر ساعد على توسيع رقعة تلك الدولة فأصبحت تمتد من الدهناء والصمّان شرقًا حتى الحجاز غربًا، وفي حدود جبل شمّر شمالاً حتى نهاية حدود وادي الدواسر جنوبًا.

وبهذا تكون الدولة قد حقَّقت المرحلة الأولى من مشروعاتها التوحيدية الطويلة والواسعة، والتي ركزت في المقام الأول على البلدان المجاورة للدرعيّة، ثم تعدّت ذلك إلى دائرة أوسع حتى استكملت ضمّ إقليم نجد كله. وكان على الدولة بعد ذلك أن تعدّ نفسها لعمل أوسع وجهد أكبر لأنها أخذت تجابه قوى سياسية أكبر من التي جابهتها في بلدان نجد ومناطقها، ولأنها ستجابه أوضاعًا تكاد تكون مختلفة عن تلك التي جابهتها في إقليم نجد. حتى أنها ستجد في بعض المناطق مجابهة مذهبية مما يزيد في شدة الموقف العدائي وصلابته، ويقوي في الوقت نفسه حدة الصراعات والحروب بين الدولة السعودية الأولى والقوى السياسية المعادية لها خارج إقليم نجد.
الدولة السعودية الأولى وقوى المعارضة الخارجية معارضة حاكم نجران.

حدث احتكاك مسلح بين الدولة السعودية الأولى وحاكم نجران، حسن بن هبة الله الذي ساعد بعض جماعات من العجمان على الثأر لما حل بها على يد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود الذي أنجد جماعة من قبيلة سبيع اعتدى عليها العجمان. فجمع حسن بن هبة الله المكرمي جيشًا كبيرًا من جماعته واتجه صوب بلدة الحائر وحاصرها وشدّد عليها الحصار، فقام الإمام عبدالعزيز فأنجدها بقوات كبيرة تحت قيادته، وكان ذلك في عهد والده الإمام محمد بن سعود. ونتج عن وقعة الحائر هزيمة كبيرة للقوات السعودية عام 1178هـ، 1764م، وتم صلح بين الطرفين جرى بمقتضاه تبادل الأسرى.

لم تكن وقعة الحائر نهاية الصراع بين الدولة السعودية الأولى وحاكم نجران. فقد تحالف حاكم نجران مع زيد بن زامل رئيس بلدة الدلم، وبطين بن عريعر، حاكم الأحساء ضد حكومة الدرعية. فاستعد الإمام عبدالعزيز لقهر هذا التحالف وتشتيته. وانتهت حملة التحالف هذه بتفرق المتحالفين، وتوفي هبة الله المكرمي أثناء عودته إلى نجران. وظل الموقف العدائي لحاكم نجران ضد الدولة السعودية الأولى حتى عام 1220هـ،1805م، حيث انضوت منطقة نجران تحت لواء الدولة السعودية الأولى.

معارضة حكام الأحساء.

اصطدمت الدولة السعودية الأولى بمعارضة بني خالد القوة المحلية بالمنطقة الشرقية، حيث شكل بنوخالد حكومة محلية قوية نسبيًا بعد طردهم للعثمانيين من منطقة الأحساء في عهد رئيسهم براك بن غرير بن عثمان آل حميد الخالدي. وامتدت سلطة بني خالد في أوج قوتها إلى الكويت، وبعض بلدان نجد في قلب الجزيرة العربية. وقد عارض زعيم بني خالد، سليمان ابن محمد بن براك بن غرير دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وجند المعارضين ضدها.

حدث تصادم بين الدولة السعودية الأولى وبني خالد في عهد كل من عريعر بن دجين، وبطين بن عريعر، وسعدون بن عريعر، وبرّاك بن عبدالمحسن بن سرداح الذي هزمه الأمير سعود بن عبدالعزيز شر هزيمة في وقعة الشيط المشهورة، شرقي اللصافة عام 1207هـ، 1792م. وعلى أثر هذه الهزيمة أرسل الأمير سعود بن عبدالعزيز مندوبين عنه إلى الأحساء، وأعطاهما رسائل إلى أهل الأحساء يدعوهم فيها إلى اتباع دعوة الشيخ الإصلاحية، والانضمام إلى الدولة السعودية الأولى. وبعد سلسلة طويلة من الاحتكاكات والحروب بين الدولة السعودية الأولى وحكام الأحساء من بني خالد على مدى حقبة تاريخية طويلة، تمكن الأمير سعود ابن عبدالعزيز من ضم منطقة الأحساء، وبشكل تام وكامل، إلى الدولة السعودية الأولى عام 1208هـ، 1793م. وبذلك تكون الدولة السعودية الأولى قد خرجت من دائرة إقليم نجد لتطل بحدودها على مياه الخليج، ممّا أكسبها مركزًا استراتيجيًا مهمًا في المجالين السياسي والاقتصادي. ونلحظ أيضًا أن الدولة السعودية الأولى أصبحت تحاذي النفوذ العثماني في العراق وتجاوره، ممّا مهد لقيام نوع من الاحتكاكات أدّت إلى اشتباكات مسلحة بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني، خاصة مع ولاية البصرة وقبائل المنتفق المقيمة في جنوبي العراق، حيث إن عددًا من شيوخ بني خالد كانوا قد لجأوا عند تلك القبائل علّهم يتمكنون فيما بعد من استعادة سيادتهم على منطقة الأحساء.

وبهذا الإجراء تكون الدولة السعودية الأولى قد شكلت وجودًا خطرًا على الحكم العثماني في مناطق جنوبي العراق، ممّا كان سببًا في قيام صراع طويل ومرير بين الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية، حتى إن هذا التطور السياسي المحلي الوطني نبه الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية لتعمل على مراقبة الأوضاع في منطقة الخليج مراقبة صارمة، ممّا ساعد على تقوية حدة التنافس الدولي على مياه الخليج ومناطقه.

الدولة السعودية الأولى وولاة العراق.

حدث صدام مسلح بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني بعد أن تجمعت عوامل الاحتكاك بين الطرفين. فقد أصبح جنوب العراق ملاذًا للقوى المعارضة للدولة السعودية الأولى والدعوة السلفية الإصلاحية. وبرزت عوامل الاحتكاك بشكل واضح بين الطرفين في أعقاب حملة قام بها ثويني بن عبدالله رئيس قبائل المنتفق على القصيم عام 1201هـ، 1786م، ومعه أعداد غفيرة من المنتفق وأهل الزبير وبوادي شمّر وغالبية طي. ونازله أهل بلدة التنومة، التي ضربها بمدافعه ودخلها عنوة. ثم توجه صوب مدينة بريدة وحاصرها، لكنه اضطر إلى رفع الحصار عنها عندما سمع بوقوع اضطرابات في بلاده، فقفل عائدًا إلى وطنه ليحافظ على مركزه هناك.

أرسل الإمام عبدالعزيز بن محمد رسالة إلى سليمان باشا والي بغداد العثماني مصحوبة بنسخة من كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد
. وطلب من الوالي أن يجمع علماء بغداد للنظر فيه والعمل على تطبيق مبادئ الدعوة الإصلاحية. فجاء الرد بالرفض الكامل والقاطع على الرغم من أن حال العراق العثماني لم يكن على مايرام لكثرة الاضطرابات الداخلية والفتن المحلية والقبلية.

ولما رفض والي بغداد دعوة الإمام عبدالعزيز، هاجم الأمير سعود بن عبدالعزيز بأمر من والده قبائل المنتفق عام 1203هـ، 1788م. وبعد ذلك توالت المناوشات والاصطدامات العسكرية بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني. فغزا سعود قبائل الظفير القاطنة في مناطق الحدود العراقية السعودية بسبب موقفها المعادي للدولة السعودية الأولى.

نتيجة لذلك أرسل الوالي العثماني سليمان باشا حملة عسكرية منظمة وقوية ضد الدولة السعودية الأولى في الأحساء كانت تحت قيادة ثويني بن عبداللهلله، وكانت حملته فاشلة. فكان رد السعوديين أن هاجموا مناطق جنوبي العراق تحت قيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز نفسه، وتوغلوا فيها حتى بلدة أم العباس.

جاء الرد العثماني العراقيّ، فوجه سليمان باشا، والي بغداد العثماني، حملة ضد السعوديين في الأحساء كانت تحت قيادة كتخذاه علي كيخيا عام 1213هـ، 1798م. وقد وصفت تلك الحملة بأنها منظمة وقوية، ساهمت فيها قبائل المنتفق والظفير وغيرهم من قبائل جنوبي العراق. وعلى الرغم من وصول الحملة إلى الأحساء إلاّ أنها في نهاية الأمر فشلت ولم تحقق غرضها.

هاجمت القوات السعودية منطقة جنوبي العراق خصوصًا بعد أن قتل الخزاعل الشيعة ثلاثمائة رجل من الموالين والتابعين للدولة السعودية الأولى، وذلك عام 1214هـ، 1799م. وهاجم السعوديون مناطق جنوبي العراق عام 1216هـ، 1801م، وهدموا ما شاهدوه هناك من أضرحة وقباب ومزارات بما فيها قبة الحسين، فأًصدرت الدولة العثمانية أوامرها المشددة إلى والي بغداد من أجل أن يعمل على وقف الحملات العسكرية السعودية على مناطق جنوبي العراق. وغضب شاه إيران وأراد التدخل العسكري، وطلب من والي بغداد السماح لقواته بالمرور عبر العراق والزحف على السعوديين في الأحساء. وتوالت الحملات السعودية بعد ذلك على مناطق جنوبي العراق حتى وصلت إلى أسوار كربلاء مرة ثانية عام 1223هـ، 1808م.

ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن ولاة العراق لم يكونوا قادرين على إضعاف الدولة السعودية الأولى وتهيئة الظروف العسكرية المواتية للقضاء عليها. وظل موقفهم موقفًا دفاعيًا ضعيفًا، ممّا ثبت في عقول المسؤولين العثمانيين في إسطنبول فكرة عدم جدوى مقاومة الدولة السعودية الأولى عن طريق ولاة العراق، وأصبح لزامًا على الدولة العثمانية أن تسند تلك المهمة إلى ولاية عثمانية أخرى.

الدولة السعودية الأولى وأشراف الحجاز.

لم تكن علاقة الدولة السعودية الأولى بأشراف الحجاز أُفضل من علاقتها بولاة العراق. بدأت العلاقة سلمية فأرسلت الدولة السعودية الأولى عددًا من العلماء إلى مكة لمناقشة علمائها ومحاورتهم في كثير من المسائل الدينية التي تشكل مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية. لكن الأمر لم يستقم في المسار السلمي، بل أخذ الوضع في التدهور خصوصًا عندما رفض بعض الأشراف السماح لأتباع الدعوة بأداء فريضة الحج في عهود الأشراف: مسعود بن سعيد، ومساعد بن سعيد، وسرور بن مساعد، وغالب بن مساعد الذي تأزم الخلاف في عهده فأصبح خلافًا لايمكن حله إلا بالوسائل العسكرية بعدما فشلت الحلول السلمية. فأرسل الشريف غالب حملة إلى السر كانت تحت قيادة أخيه الشريف عبدالعزيز، ولكن تلك الحملة لم تُعط النتيجة التي كان يتوقعها الشريف غالب، بل لاحقتها قوات الدولة السعودية الأولى إلى بلدة الشعراء. ورد الشريف غالب على ذلك بأن أرسل حملات عسكرية تأديبية ضد القبائل المؤيدة للدولة السعودية الأولى، فتصدى لها هادي بن قرملة شيخ قحطان المؤيد للدولة السعودية الأولى والمناصر للدعوة السلفية، وذلك عام 1210هـ، 1795م.

واستمر الشريف في إرسال الحملات ضد تلك القبائل، وظل الأمر كذلك حتى تمكنت القوات السعودية من إلحاق الهزيمة بالقوات الحجازية عام 1212هـ، 1797م عند بلدة الخرمة، واضطر الشريف غالب إلى طلب الصلح الذي ظل ساري المفعول حتى عام 1217هـ، 1803م. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدولة العثمانية لم تقدم مساعدة للشريف غالب، علمًا بأن الشريف غالبًا كان قد أعلم الدولة العثمانية بما يجري في المنطقة.

وقد تغير الموقف تمامًا عندما خرج وزير الشريف، عثمان المضايفي عليه، وأعلن انضمامه إلى الدرعيّة، مع أن المضايفي هذا هو صهر الشريف غالب. وتمكن المضايفي من محاصرة الطائف، وأنجدته قوات سعودية فاضطر الشريف غالب إلى الانسحاب منها باتجاه مكة المكرمة، فاستسلمت الطائف ودخلها المضايفي وقواته عام 1217هـ، 1803م.

تقدمت القوات السعودية بقيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز صوب مكة المكرمة في 8 محرم عام 1218هـ، 1803م، ودخلتها بعد انتهاء موسم الحج، وكان الشريف غالب قد غادرها قبل ذلك متوجهًا إلى جدة، تاركًا أخاه الشريف عبدالمعين على إدارة مكة المكرمة، يتصرف في أمرها بما تمليه عليه الظروف بالنسبة للموقف السعودي. وقد وافق الشريف عبدالمعين هذا على تسليم مكة للقوات السعودية دون مجابهة عسكرية لأن موقف الأشراف الحربي أصبح لايسمح بذلك. واشترط الشريف عبدالمعين على الأمير سعود أن يبقيه شريفًا على مكة، فوافق الأمير سعود على شرطه، ودخل السعوديون مكة المكرمة محرمين، وقرئ على منبر المسجد الحرام كتاب الأمان العام لجميع أهالي مكة. وهذا نص وثيقة الأمان: من سعود بن عبدالعزيز إلى كافة أهل مكة والعلماء والأغاوات وقاضي السلطان. السلام على من اتبع الهدى... أما بعد: فأنتم جيران بيت الله وسكان حرمه آمنون بأمنه. إنما ندعوكم لدين الله ورسوله.

﴿قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاّ الله ولانشرك به شيئًا ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ آل عمران: 64.

فأنتم في وجه الله ووجه أمير المسلمين سعود بن عبدالعزيز وأميركم عبدالمعين بن مساعد فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام·.

وفي مكة المكرمة ألقى الأمير سعود بن عبدالعزيز خطابًا جامعًا وضح فيه مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية، ودعا الناس إلى هدم القباب المقامة على القبور فهدمت. وأمر بتدريس كتاب كشف الشبهات
في المسجد الحرام في حلقة عامة يحضرها العلماء والأهالي.

وأرسل الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى السلطان سليم الثالث كتاباً هذا نصه: ¸إني دخلت مكة، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ماهناك من أشباه الوثنية وألغيت الضرائب إلاّ ماكان منها حقًا. وثبّت القاضي الذي وليته أنت طبقًا للشرع الإسلامي. فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور فإن ذلك ليس من الدين في شيء·.

حاصر الأمير سعود بن عبدالعزيز مدينة جدّة لكنه لم يستطع دخولها لأنها محصنة بالخنادق، وفيها جميع قوات الأشراف والقوات العثمانية المقيمة المساندة لقوات الأشراف. ومعروف أن جدّة مدينة محصنة لأنها مركز بحري تجاري مهم بالنسبة للحجاز وبالنسبة للعثمانيين والأشراف.

لم تستقم الأمور في مكة للسعوديين، لأنه عندما رجع الأمير سعود إلى الدرعية، عاد الشريف غالب فدخل مكة دون معارضة من أخيه الشريف عبدالمعين. ثم تقدم صوب الطائف وكانت فيها قوات سعودية، بالإضافة إلى قوات عثمان المضايفي وأتباعه.

فحاصر الشريف غالب الطائف، وأثناء ذلك جاء خبر استشهاد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام 1218هـ. 1803م، وتولى الإمام سعود بن عبدالعزيز الحكم خلفًا لأبيه.

وصل نبأ استرداد الشريف غالب مكة إلى الدرعية، فقرر الإمام سعود بن عبدالعزيز أن يضع حدًا لتصرفات الشريف غالب. فأمر قواته في مناطق عسير ونواحي تهامة بمهاجمة جدّة، وكانت تلك القوات برئاسة عبدالوهاب أبو نقطة.

ثم بنى السعوديون حصنًا قويًا في وادي فاطمة ووضعوا فيه قوات سعودية كبيرة أخذت تهاجم قواعد الشريف غالب في المنطقة. وبعدها أرسلت الدرعية قوات سعودية كبيرة جدًا إلى مكة المكرمة فحاصرتها بشدة كي تضعف قوات الشريف غالب عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا حتى يضطر إلى الاستسلام.

وبالفعل أدرك الشريف غالب أنه ليس باستطاعته الصمود في وجه القوات السعودية، فاضطر إلى طلب الصلح على شرط أن يبقى شريفًا على مكة وأميرًا عليها تابعًا للدولة السعودية الأولى. وهكذا عادت مكة المكرمة إلى الدولة السعودية الأولى. وبعدها دخلت القوات السعودية المدينة المنورة عام 1220هـ، 1805م.

وممّا لاشك فيه أن دخول الدولة السعودية الأولى بلدان الحجاز: مكة والمدينة وجدّة والطائف وغيرها قد أدّى إلى قيام نوع جديد من العداء الشديد بين الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية صاحبة السيادة والنفوذ في الولايات العربية العثمانية، وخصوصًا المسألة الحجازية التي تؤثر على سمعة الدولة العثمانية ومركزها ليس في العالم العربي فحسب، وإنما في العالم الإسلامي كله عندما فقد سلاطينها لقب حامي الحرمين الشريفين، والحق الرسميّ في الإشراف على المناطق الإسلامية المقدسة في الحجاز.

فرأت الدولة العثمانية ضرورة معالجة مسألة الحجاز ومسألة الدولة السعودية الأولى بشكل حربي سريع، وليس في شكل محاورات ومناقشات سلمية.

وعندما تأكدت الدولة العثمانية أن ولاية دمشق غير قادرة على التنفيذ، وأنه ليس بإمكانها فرض الحل الحاسم، وجهت الدولة أوامرها السلطانية إلى محمد علي باشا والي مصر العثمانية للقيام بتنفيذ هذا الحل في صورته الحربية لفرض الأمر الواقع بالقوة، خصوصًا وأن الدولة العثمانية دولة قادرة على مواجهة المشاكل الداخلية بيد أنها أصبحت عاجزة أمام الدول العالمية الكبرى وقتذاك.

الدولة السعودية الأولى ومحمد علي باشا.

عدّ العثمانيون الإجراء السعودي المتمثل في ضم إقليم الحجاز إلى الدولة السعودية الأولى وحرمانهم من لقب حامي الحرمين الشريفين بمثابة تَحَدٍّ ديني وسياسي يواجه سيادتهم على العالم العربي الإسلامي.

وبناءً على تلك المتغيرات والمستجدات قررت الدولة العثمانية إسناد مهمة التحدي العسكري لتلك الدولة إلى محمد علي باشا واليها في مصر بعد فشل ولاية العراق من جهة، وعجز ولاية الشام من جهة ثانية.

. ومن الواضح أن الدولة العثمانية حاولت القضاء على الدولة السعودية الأولى من خلال قوات ولاياتها العربية المجاورة لتلك الدولة، ومن خلال استخدام طاقات تلك الولايات واقتصادها، خصوصًا وأن الدولة العثمانية وقتذاك كانت جد مشغولة في أمورها الداخلية من جهة، وأمورها الخارجية من جهة أخرى.

وهناك دوافع وأسباب أدّت بالعثمانيين إلى إسناد تلك المهمة إلى ولاية مصر وواليها محمد علي باشا، حيث إنَّ ولاية مصر أكبر الولايات العربية العثمانية في المنطقة، وهي ذات إمكانات بشرية واقتصادية ومالية كبيرة، بالإضافة إلى خبراتها الحربية وتجاربها السياسية والإدارية مع مناطق الجزيرة العربية خصوصًا الجانب الغربي منها. ولم تكن تلك التجارب وليدة فترة زمنية محدودة، أو حقبة تاريخية معينة، وإنما هي تجارب تاريخية ممتدة على فترات تاريخية متشابكة ومتعاقبة. ويعدّ هذا التكليف بمثابة جس نبض لمحمد علي باشا، وامتحان لابد أن يدخله ويجتازه حتى يحافظ على زعامته.

وأول تكليف رسمي وجه إلى محمد علي باشا كان في عهد السلطان مصطفى الرابع، وذلك عام 1222هـ، 1807م، استنادًا إلى معلومات الوثائق العثمانية المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة.

وقد اعتذر محمد علي في بادئ الأمر متعللاً بالمشكلات الاقتصادية والظروف الصعبة التي تمر بها ولايته نتيجة تمكن المماليك من السيطرة على صعيد مصر، ونتيجة لانخفاض الفيضان في نهر النيل، بالإضافة إلى ما أبداه من مخاوف تجاه أطماع الدول الأوروبية في ولايته. ولكن مع هذا كله اضطر محمد علي باشا إلى قبول الأوامر والإذعان لمطالب السلطان.

الحملات العسكرية ضد الدولة السعودية الأولى حملة أحمد طوسون.

بدأت حملة طوسون السفر من القاهرة في 19 رجب 1226هـ، 1811م، وكانت تتألف من 8,000 جندي، منهم خمسة آلاف من المشاة والمدفعية سافروا بحرًا. ومنهم ثلاثة آلاف من الفرسان سافروا بطريق البر عبر العقبة ومنها إلى ينبع أحد موانئ إقليم الحجاز.

حاول محمد علي باشا وكذلك السلطات العثمانية في إسطنبول استمالة الشريف غالب العدو اللدود للدولة السعودية الأولى، عن طريق الرسائل التي أرسلت إليه بوساطة التجار العاملين في التجارة في مدينة جدّة.

ولم تجد الحملة مقاومة في ينبع التي كانت تُدير أمورها جماعات من قبيلة جهينة المؤيدة للدرعية. وركز أحمد طوسون قائد الحملة على إغداق الأموال والهدايا والخلع على شيوخ القبائل ورؤساء الجماعات التي تقطن الموانئ الحجازية ولها نفوذ فيها لتكون سندًا لقواته، ولتقبل تأجير إبلها إلى القوات العثمانية من أجل حمل المؤن والعتاد من المناطق الساحلية إلى داخل بلاد الجزيرة العربية.

قرر السعوديون استدراج القوات العثمانية إلى الأراضي النجدية من أجل إضعافها وتشتيت قواتها. ولجأوا إلى أسلوب المقاومة والدفاع عوضًا عن الهجوم. وبهذا الأسلوب نجح الإمام سعود بن عبدالعزيز في السيطرة على الطريق الرئيسي الواصل بين المدينة المنورة ومنطقة القصيم. وتمكنت القوات السعودية من إنزال هزيمة كبيرة بقوات طوسون في وقعة وادي الصفراء، حيث إن القوات السعودية بقيادة الأمير عبدالله بن سعود والقائد السعودي سعود بن مضيان كانت قد تمركزت في القمم الجبلية المطلة على أطراف الوادي. وبعد هذه الهزيمة اضطر أحمد طوسون إلى طلب العون والمساعدة من والده محمد علي باشا.

حملة أحمد بن نابرت الخازندار.

أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية جديدة ضد الدولة السعودية الأولى، كانت تحت قيادة أحمد بن نابرت الخازندار من أجل دعم صمود حملة أحمد طوسون، وكان ذلك عام 1227هـ، 1812م. وقد وصلت تلك الإمدادات العسكرية إلى ميناء ينبع، وكان طوسون قد نقل قيادته إلى بدر، وهناك أخذ ينظم القوات العثمانية المصرية، وبعدها زحف صوب وادي الصفراء واحتله. ثم تقدمت قوات طوسون وحاصرت المدينة المنورة وضربت سورها بالمدافع ودمرت بعض أجزائه بالمتفجرات، عندها اضطرت الحامية السعودية في المدينة إلى الاستسلام.

وتعود سرعة استيلاء طوسون على المدينة لعدة أسباب:

1ـ قوة جيش طوسون، وحداثة معداته العسكرية، وتدريبه المنظم.

2ـ تأييد بعض القبائل البدوية لطوسون، وتعرض الحامية السعودية في المدينة المنورة إلى مرض الكوليرا الذي فتك بجندها.

3ـ التأييد الذي لقيته حملة طوسون في المدن الحجازية خصوصًا من الأشراف وأصحاب النفوذ في الحجاز وهو أمر له مفعوله النفسيّ والمعنوي في المعركة.

أما مكة المكرمة فقد انسحب منها السعوديون بعد انضمام الشريف غالب بن مساعد إلى القوات العثمانية المصرية، وبذلك استرجعها العثمانيون.

وبعدها دخلت قوات الحملة مدينة الطائف، وبذلك تكون مدن الحجاز جميعها قد عادت إلى السيادة العثمانية الممثلة في سيادة والي مصر.

ونلحظ هنا أن القوات السعودية كانت قد وضعت خطة استراتيجية عسكرية ضد قوات محمد علي باشا تمثلت في إخلاء مواقعها العسكرية تدريجيًا، وتركيز قواتها العسكرية في الأراضي النجدية.

ونجح الإمام سعود في استدراج قوات أحمد طوسون إلى نجد حيث المناطق الصحراوية الشاسعة التي تجهلها تمامًا قوات طوسون، ولم تجرّب الحرب فيها. بالإضافة إلى ذلك فإنها بهذا الأسلوب تكون قد أبعدت قوات طوسون عن مركز العتاد والمؤن من جهة، وعن قيادتها المركزية من جهة أخرى. وبعد ذلك يمكن الانقضاض عليها وتشتيتها. كما أن القيادة العسكرية السعودية كانت قد خططت لتنفيذ خطة هجومية ضد القوات العثمانية المصرية الزاحفة صوب نجد.

فقاد الإمام سعود جيشًا زحف به صوب الحناكية للسيطرة على الطريق الرئيسي الذي يربط المدينة المنورة بالقصيم. ونجح الجيش السعوديّ في أسر جماعات من القوات العثمانية المصرية وإرسالها إلى والي بغداد تحت حراسة أمير جبل شمّر. وقام جيش الإمام سعود بعدة حملات تأديبية ضد البدو الذين أيدوا القوات العثمانية.

وسار جيش سعودي بقيادة فيصل بن سعود إلى تربة واتخذها مركزًا للقيادة السعودية في المنطقة. واستطاع هذا الجيش إنزال هزيمة ساحقة بقوات طوسون التي كانت تحت قيادة مصطفى بك رئيس الفرسان والشريف راجح أحد الأشراف المرشحين لشرافة مكة بعد الشريف غالب.

ارتبك موقف طوسون من جراء انهزام قواته في تربة، وتأييد عدد من قبائل المنطقة للدولة السعودية الأولى، ولأنه ظل لا يعلم شيئًا عن قواته في الحناكية بعد أن سيطر السعوديون على الطريق الواصل بين المدينة المنورة والقصيم. فدفع هذا الأمر طوسون إلى طلب العون والمساعدة مرة أخرى من والده محمد علي باشا الذي رأى ضرورة سفره إلى الحجاز لمراقبة الموقف عن كثب، وإجراء اللازم لتغيير الموقف كي يكون في صالح قواته.

حملة محمد علي باشا.

وصل محمد علي باشا مدينة جدّة عام 1228هـ، 1813م. وفيها أخذ يعدّ الخطط لاستمالة العربان رجال القبائل، والشيوخ منهم. وجعل مدينة جدّة مستودعًا رئيسًا للعتاد. واهتم بوسائل نقل المؤن والعتاد من مصر إلى الحجاز.

وأقام حاميات عسكرية على الطرق الرئيسية وفي المواقع الاستراتيجية. وجعل الطائف مركز قيادة ابنه طوسون. وألقى القبض على الشريف غالب، وصادر أمواله، وأرسله إلى مصر عام 1228هـ، 1813م لأنه لايثق بولائه. وفي ظل هذه الظروف الصعبة توفي الإمام سعود بن عبدالعزيز عام 1229هـ، 1814م. وبهذا حُرمت الدولة السعودية الأولى من قيادة إمام محنك، وعسكري مجرب، وإداري قدير، وشخصية قوية. وقد خلفه في حكم الدولة السعودية الأولى أكبر أبنائه عبدالله بن سعود، وهو أقل خبرة ودراية في إدارة شؤون الدولة من والده.

كانت القوات السعودية في الجنوب بقيادة طامي بن شعيب قد حققت نصرًا كبيرًا على قوات محمد علي باشا في حصن بخروش علاس، وألحقت بها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. ولكن الدولة السعودية الأولى لم تستفد من هذه الانتصارات كثيرًا لأن الإمام عبدالله بن سعود كان وقتها في حرب ضد قبيلتي مطير وحرب اللتين خرجتا عليه.
وشارك محمد علي بنفسه في وقعة عنيفة ضد القوات السعودية في بسل الواقعة بين الطائف وتربة.

وتمكنت القوات العثمانية المصرية من تحقيق انتصار ساحق على القوات السعودية في هذا المكان عام 1230هـ، 1815م، وكان قائد القوات السعودية في تلك الوقعة الأمير فيصل ابن سعود الكبير أخا الإمام عبدالله بن سعود.

وبعد تلك الوقعة تقدمت القوات العثمانية المصرية إلى بلدة تربة واحتلتها، وأصبحت تلك البلدة مركزًا عامًا للقوات العثمانية المصرية بدلاً من مدينة الطائف ومن قبلها ميناء ينبع على البحر الأحمر.

صدرت الأوامر إلى محمد علي باشا من الباب العالي تأمره بتوجيه حملات عسكرية تأديبية ضد قبائل عسير المؤيدة للدولة السعودية الأولى. فوجه محمد علي باشا قوات صوب الجنوب، احتلت بيشة وهي مفتاح الطريق إلى بلاد عسير من جهة الشمال الشرقي.

وهزمت كذلك قوات طامي بن شعيب المؤيدة للدولة السعودية الأولى. وبعد ذلك تقدمت قوات محمد علي باشا صوب بلدة القنفذة واحتلتها. وهكذا أصبح جنوب الحجاز خاضعًا في مُعْظَمه لسيادة محمد علي والدولة العثمانية. وفي خضم هذا الجهد الحربي للقوات العثمانية المصرية عاد محمد علي باشا إلى مصر على أثر تمرد حدث فيها.

وفي ميادين القتال الشمالية كانت قوات طوسون قد وصلت في زحفها إلى بلدة الرس بعد أن استولت على عدد من بلدان منطقة القصيم. وعلى الرغم من هذه الانتصارات التي حققتها قوات طوسون على بعض بلدان القصيم، إلاّ أن طوسون أدرك أنه ارتكب خطأ كبيرًا حين توغل في منطقة القصيم حيث إن قواده وجنده لايعرفون المنطقة، ولايتقنون حرب الصحراء بالقدر الذي تتقنه القوات السعودية المتدربة عليه والتي تعرف البلدان ودروبها ومناطق وجود الماء فيها، بالإضافة إلى تأييد السكّان لها.

لذا فكر طوسون أن يعقد صلحًا مع الإمام عبدالله بن سعود ويلحق بعد ذلك بوالده، خصوصًا وأن صحته قد اعتلت ومرض وأصبح بحاجة إلى الراحة والبعد عن القتال والحروب، وقد ضمن ذلك في رسالة إلى والده محمد علي كي يأذن له بالعودة إلى مصر. فاستأذن محمد علي الباب العالي في ذلك فوافق، عندها عاد أحمد طوسون إلى القاهرة عام 1231هـ،1815م.

وقبل أن يعود طوسون إلى القاهرة دخل في مفاوضات مع الإمام عبدالله بن سعود الذي جمع القوات السعودية وتوجه بها إلى القصيم لمحاربة القوات العثمانية المصرية التي احتلت الخبراء والرس وغيرهما من بلدان منطقة القصيم. وقد توصل الطرفان إلى صلح مؤقت، وهو ليس صلحًا بقدر ماهو هدنة مؤقتة، عرف بصلح الرس، من أهم شروطه:

1ـ أن تقف الحرب بين الطرفين.

2ـ استقلال الإمام عبدالله بن سعود بحكم نجد بعد أن تنسحب القوات العثمانية المصرية منها.

3ـ أن يبقى الحجاز تحت السيادة العثمانية ممثلة في سيادة محمد علي باشا والي مصر.

4ـ احترام سلامة التنقل في بلاد نجد وفيما بينها وبين الحجاز وولاية الشام وولاية مصر وغيرها من الولايات العثمانية.

5ـ عدم اعتراض سبيل الحجاج وقوافلهم من الجانبين.

وبمقتضى هذا الصلح انسحبت قوات طوسون من بلدان نجد في شهر شعبان عام 1230هـ، 1815م، إلاّ أن فترة السلم هذه لم تدم طويلاً لأن كلا الطرفين ظل يعد العدة من أجل محاربة الطرف الآخر.

حملة إبراهيم باشا.

أخذ محمد علي باشا يعدّ العدة لإرسال حملة كبيرة أكثر قوة وتنظيمًا من حملة ابنه طوسون، لتقوم بمهمة القضاء على الدولة السعودية الأولى خصوصًا وأن قوات محمد علي في حروبها ضد القوات السعودية، كانت قد حصرت القوات السعودية في نجد بعد أن سيطرت تمامًا على إقليم الحجاز برمته.

فقد حرص محمد علي باشا أن تكون حملته الجديدة مزودة بكل متطلبات الجندي فأعد جماعة من الأطباء الإيطاليين للإشراف الصحي على العسكر. وزود الحملة بعدد من الخبراء العسكريين الأجانب على رأسهم مسيو فيسير الفرنسي الذي كان بمثابة أركان حرب لإبراهيم باشا، وهو من بين الضباط الفرنسيين الذين خدموا في جيش نابليون بونابرت.

سارت الحملة بعد أن استكملت جميع عُددها صوب ينبع عام 1231هـ، 1816م. وفي ميناء ينبع أخذت قوات إبراهيم باشا تقوم بمناورات عسكرية كي تخيف بذلك القبائل التي ظلت تتمرد على سلطة العثمانيين وواليهم محمد علي باشا.

والواقع أن القوات العثمانية المصرية الجديدة دخلت الجزيرة العربية بقوة وأسلحة وعتاد وتنظيم لم تعهده المنطقة من قبل.

توجه إبراهيم باشا بقواته من ينبع إلى المدينة المنورة، وهناك وضع خطته العسكرية الجديدة متلافيًا كل الأخطاء والسلبيات التي وقعت فيها الحملات العثمانية المصرية السابقة، خصوصًا حملة أحمد طوسون. وتوجه بقواته إلى الحناكية فوصلها في أواخر عام 1231هـ، 1816م. وهناك بدأت قوات إبراهيم تغير على القبائل العربية الموالية للدولة السعودية الأولى. وكان الإمام عبدالله وقتذاك يعدّ قواته لملاقاة قوات إبراهيم باشا، والتقى مع كتيبة عثمانية مصرية كانت تحت قيادة الضابط علي أزن في ماوية، انهزمت فيها القوات السعودية مما أثر على مستقبلها الحربي من جهة، وصعود نجم إبراهيم باشا وقواته من جهة أخرى.

سار الإمام عبدالله بن سعود إلى الخبراء ثم تركها وتوجه إلى عنيزة حيث عسكر فيها. أما إبراهيم فزحف بقواته صوب بلدة الرس، فوصل إليها في 25 شعبان 1232هـ، 1817م، وحاصرها طويلاً، واستبسل أهلها في الدفاع عنها، وبعد أن أجهدهم الحصار طلبوا من الإمام عبدالله بن سعود منازلة القوات العثمانية المصرية أو أن يأذن لهم بطلب الصلح من إبراهيم باشا. ولما لم يأت عبداللهلله بن سعود من عنيزة لمحاربة قوات إبراهيم ورفع الحصار عن أهل الرس قبل الأهالي والحامية السعودية في البلدة بالصلح، وخرجت الحامية السعودية على أثر ذلك من الرس إلى عنيزة.

زحفت قوات إبراهيم باشا إلى الخبراء فسلمت له البلدة. وغادر الإمام عبدالله عنيزة إلى بريدة. ثم توجه إبراهيم باشا بقواته إلى عنيزة وبعد دفاع أهلها عنها سلّمت المدينة وحاميتها السعودية بعد نفاد مالديها من مؤن وذخيرة. ولما أحسّ الإمام عبداللهلله بعدم جدوى المقاومة رحل من بريدة وتوجه إلى الدرعية للعمل على تحصينها وتقويتها والدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة وبسالة.

واصل إبراهيم باشا زحفه على بلدان نجد الأخرى. ولقيت قواته مقاومة من قبل أهالي بعض البلدان في أقاليم نجد كما هو الحال بالنسبة لمقاومة أهالي شقراء وضرماء. وهناك بلدان استسلمت دون مقاومة تذكر. وتعدّ مقاومة مدينة الدرعية من أقوى وأشد أنواع المقاومة التي تصدت لقوات إبراهيم باشا. فكانت الدرعية بلدًا محصنًا وقلاعها قوية، ولذا فإن مقاومتها ظلت قوية وشديدة ضد قوات إبراهيم باشا. وكانت الدرعية تتألف من خمسة أقسام لكل قسم منها أبوابه وأسواره تتخللها الحصون والأبراج. وكان محيط المدينة يصل إلى حوالي 12كم.
نظم الأهالي في الدرعيّة مقاومتهم ضد قوات إبراهيم باشا. ووزعوا جهودهم القتالية على عدة جبهات، إلاّ أن مدافع الدرعية كانت قليلة وكذلك عتادها إذا ما قورن ذلك بمدافع إبراهيم باشا وعتاده، وهي أمور قدرها إبراهيم باشا من بين نقاط الضعف في الجبهة السعودية.

لذا ركز على نشاط مدافعه. فضرب الدرعية بمدافعه عشرة أيام متتالية. وظل إبراهيم باشا يحاول إضعاف صمود المدينة، دون جدوى، ولم يحرز إبراهيم باشا أي تقدم يذكر. وزاد الأمر سوءًا بالنسبة لموقف إبراهيم باشا عندما اشتعلت النيران بمستودع ذخيرته.

وحاول السعوديون الاستفادة من هذا الموقف ولكن دون جدوى، خصوصًا بعد وصول إمدادات جديدة إلى قوات إبراهيم باشا. وظل الوضع كذلك مدة خمسة أشهر والمقاومة صامدة والحرب سجال بين قوات الطرفين. وظل السعوديون يدافعون عن مدينتهم بكل صمود وشجاعة وعناد، لكن طول مدة الحصار أدّى إلى قلة المؤن في المدينة، ونقص في العتاد، وانقطاع في الإمدادات. كما أن القائد غصاب العتيبي، أحد قادة الجبهة السعودية، كان قد خرج عن الجماعة، وانضم إلى إبراهيم باشا، مما أضعف الجبهة السعودية وصمودها. وتعدّ وقعة غبيراء من أشهر وقائع معارك الدرعية، إذ بعد تلك الواقعة اضطر عدد كبير من الأهالي إلى رفع الراية البيضاء والاستسلام. وبعد ذلك شن إبراهيم باشا هجومًا مركزًا على جبهات القتال السعودية التي مازالت صامدة، خاصة جبهة الإمام عبداللهلله ابن سعود. وبهذا الهجوم المكثف استطاع إبراهيم باشا أن يضعف الجبهة السعودية تمامًا ممّا اضطر معه الإمام عبدالله ابن سعود إلى طلب الصلح من إبراهيم باشا، واتفقا على شروطه في 9 من ذي القعدة عام 1233هـ، الموافق 10 سبتمبر 1818م، ومن أهم هذه الشروط:

1ـ أن تسلم الدرعيّة لإبراهيم باشا.

2ـ أن يتعهد إبراهيم باشا بأن يبقي على المدينة، وأن لايوقع الضرر بسكانها.

3ـ أن يتعهد الإمام عبدالله بالسفر إلى القاهرة ومن ثم يرسل إلى السلطان العثماني في إسطنبول، وذلك عملاً برغبة السلطان نفسه.

وبالفعل سلم الإمام عبدالله نفسه إلى إبراهيم باشا، فأرسله إلى القاهرة تحت حراسة مشددة في 17 من شهر محرم عام 1233هـ، 1818م. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إبراهيم باشا أخرج الناس من الدرعية، وهدمها بمدافعه، ودمر كل حصونها، وقطع نخيلها تنفيذًا لأمر محمد علي باشا الذي جاءته أوامر سلطانية تملي عليه فعل ذلك.

جاهد أهالي الدرعيّة جهادًا طويلاً ضد القوات العثمانية المصرية، وتحملوا من جراء ذلك ويلات الجوع والعطش والقلق النفسي والمعاناة. وقد تحمل أمراء آل سعود وآل الشيخ العبء الكبير في تحمل مسؤولية المقاومة وقيادتها ومايترتب عليها من نتائج. ويمكن أن نجمل أسباب فشل الإمام عبداللهلله بن سعود في الآتي:

1ـ عدم تكافؤ الجيشين المتحاربين، من حيث العدة والعدد والتخطيط والقيادة الحربية المدربة والمنظمة.

2ـ ضعف الإمكانات المادية وقلة الموارد المالية والاقتصادية للدولة السعودية الأولى وقت الحرب، بينما نجد بالمقابل دعمًا ماديًا ومعنويًا للقوات العثمانية المصرية ليس من ولاية مصر فحسب، وإنما من الدولة العثمانية وبعض ولاياتها العربية.

3ـ حدوث تخلخل في صفوف أتباع الإمام عبدالله ابن سعود ربما كان مبعثها الخوف من عقاب إبراهيم باشا وظلمه.

4ـ انضمام بعض قبائل البادية إلى جانب القوات العثمانية المصرية إما بسبب الخوف من العقاب أو بسبب موقفها من الدولة السعودية الأولى، أو لأسباب خلافات قديمة ومتأصلة، أو لكثرة الأموال التي أغدقها محمد علي على شيوخ القبائل التي تؤيده وتقف معه في الميدان، وتعيره جمالها أو تؤجره إياها لنقل العتاد والمؤن.

5-عوامل الضَّغط النفسي والدعاية المنظمة المضادة للجانب السعودي من قبل العثمانيين ومحمد علي وغيرهم خصوصًا الخوف الذي نجم عن الشدة في تطبيق العقاب من قبل المسؤولين في الحملات العسكرية العثمانية المصرية التي جاءت إلى نجد، ومارست في بلدانه أشد أنواع الظلم والشدة والعقاب.

وقد ترتب على سقوط الدرعيّة عدة نتائج من أهمها:

1ـ عمت الفوضى السياسيّة في نجد لسقوط الدولة السعودية الأولى.

2ـ ازداد ضعف اقتصاد البلاد النجدية.

3ـ ازداد نفوذ محمد علي باشا، وازداد ضغطه على السلطان العثماني بسبب انتصاراته التي حققتها قواته ضد القوات السعودية.

4ـ أخذت بريطانيا تركز دعائم نفوذها الاستعماري في ساحل الخليج خصوصًا بعد ظهور قوة محمد علي في المنطقة وتطلعه إلى نشر سيادته على الجزيرة العربية في ظل السيادة العثمانية أو في ظل سيادته المستقلة عن العثمانيين فيما بعد.

5ـ ظهرت مقاومة سعودية جديدة في نجد ضد الحكم العثماني الممثل في سيادة محمد علي باشا، محاولة قيام الدولة السعودية الثانية.

6ـ ظهر تأييد وطني محلي في نجد للأسرة السعودية ساعدها على إعادة بناء الدولة السعودية من جديد.

7ـ تأصل في البلاد النجدية مبدأ كره الحكم الأجنبي، ومايلحق بذلك من أمور تلتصق به.

8ـ ظهور القوى السياسية المحلية في المناطق التي تكونت منها الدولة السعودية الأولى قبل سقوطها.

نظام الحكم والإدارة في الدولة
السعودية الأولى النظام السياسي.

قامت الدولة السعودية الأولى على تصحيح العقيدة الإسلامية، وعلى نصرة التوحيد والحق.

اشتمل النظام السياسيّ على المناصب العليا التالية:

الإمام

يأتي في قمة النظام السياسي في الدولة السعودية الأولى، فهو الرئيس الأعلى للدولة، وصاحب السلطات الفعلية فيها. وهو أعلى منصب في الدولة السعودية الأولى بيده إدارة شؤونها. والإمام السعودي هو المشرف العام على جميع شؤون الدولة، فهو القائد العام للقوات السعودية وبيده إبرام المعاهدات وإعلان الحرب، وجمع النفير العام. وهو المشرف الأول على شؤون الأمن، وتحل عنده أعقد المسائل والخلافات. ويشرف على الشؤون الماليّة كلها، وهو المتصرف الأول والمسؤول عن بيت المال وغيره من الأمور المهمة في السلطة والسيادة. وممّا يقوي مركز الإمام ويدعمه اعتماد الإمام في حكمه على مبادئ الشرع الإسلاميّ الذي لايجرؤ الفرد على مخالفته البتة، وهو في الوقت نفسه يعطي الإمام صلاحيات كاملة في العمل والإشراف مادام ذلك متمشيًا مع أحكام الشريعة الإسلامية ومطبقًا لتعاليمها.

ولي العهد

هو منصب من يخلف الإمام في الحكم بعد وفاته. وقد ورد ذكر ولاية العهد في أخبار عام 1202هـ، 1787م في كتاب روضة الأفكار والأفهام
لابن غنام، وكذلك في كتاب عنوان المجد
لابن بشر، فيقول: ¸أمر الشيخ محمد رحمه الله ـ أهل بلدان نجد وغيرهم أن يبايعوا سعود بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وأن يكون ولي العهد بعد أبيه وذلك بأمر عبدالعزيز، فبايعه جميعهم·.

ومن أهم سلطات ولي العهد وواجباته أنه ينوب عن الإمام في القيام بمهمات الدولة أثناء غيابه في حالة الغزو أو المرض أو أي حالة أخرى تستدعي ذلك. وكثيرًا ماكان ولي العهد يباشر مهمات الأمور الحربيّة والإدارية أثناء عهد أبيه وذلك من أجل تدريبه وإعداده لتحمل المسؤولية في المستقبل، ولكي يتعرف على الناس ومشكلاتهم.

أمراء الأقاليم.

كان الإمام يعين أمراء على الأقاليم في دولته يطلق عليهم لقب أمير الإقليم، وذلك لسد الحاجة الإدارية في المناطق بعد أن توسعت الدولة السعودية الأولى، ومنصب الأمير منصب مهم وحساس لأنه من المراكز القيادية في الدولة، وهو ممثل الإمام في الإقليم، والمشرف الأول على إدارته وماليته، والمسؤول عن قيادة الغزو وتجميعه في الإقليم عند إعلان النفير العام. وقد راعى الإمام عند تعيين الحكام أو الأمراء أن يكونوا في الغالب ممن اتصفوا بولائهم للدولة، والتزموا تعاليم الدعوة السلفية الإصلاحية.

وكان الإمام في أغلب الأحيان يعين أمراء المناطق من الرؤساء المحليين الذين لهم نفوذ قوي في مناطقهم ومن المحبوبين عند الأهالي، وهو أمر توافر كثيرًا في تعيين أمراء المناطق.

الشورى في الدولة.

الشورى في الدولة. طبقت الدولة السعودية الأولى مبدأ الشورى في الحكم، وهو أمر جرى عليه أئمة الدولة السعودية الأولى. فكان الإمام يستشير العلماء وأصحاب الرأي في البلاد، وشيوخ القبائل وغيرهم. وتنقسم الشورى إلى قسمين: شورى خاصة، وأخرى عامة.

النظام الحربي.

من الواضح أنه لم يكن للدولة السعودية الأولى جيش سعودي منظم بالمعنى الحديث، وإنما كان لها جيش جهاد ينعقد لواؤه عندما يأمر الإمام بذلك ويعلن النفير العام. وكانت تعبئة جيش الجهاد تتم كالآتي

:1ـ يرسل الإمام رجالاً إلى البوادي يدعون للغزو، ويجتمعون في مكان يعينه الإمام.

2ـ يرسل الإمام أوامره إلى أمراء المناطق وحكام الأقاليم ليقوموا بجمع غزوهم والتوجه إلى مكان معلوم يعينه الإمام.

3ـ كان الإمام يغادر الدرعيّة يوم الخميس أو يوم الإثنين متوجهًا إلى مكان تجمع الغزو.

4ـ كان كل غزو يحضر معه طعامه وزاده ورحائله وخيوله من الجياد والنجائب العمانيات.

وكان القتال عادة يبدأ بعد صلاة الفجر، ويبدأ الجميع قتالهم بالتكبير. وكان المقاتلون يجيدون الكر والفر وحرب السيوف وقتال الصحراء وتحمل أهواله.

وهم يجيدون القتال التقليدي في أسلوبه وطرقه وأسلحته. وكانوا يحاربون بدافع ديني قوي. ولاتزيد أسلحتهم عن كونها أسلحة بدائية تقليدية مثل البنادق التي تضرب بالفتيل والسيوف والخناجر والسهام والرماح، وأحيانًا بعض المدافع.
وكان الإمام يوزع على جيش الجهاد الغنائم بعد أخذ الخمس منها لبيت المال. فكانت حصة الفارس سهمين، والراجل سهمًا واحدًا. ولاينحل عقد النفير العام إلاّ إذا أصدر الإمام أمرًا بذلك. وكانت توجد حاميات سعودية تدخل في عداد الجند الثابت، وظيفتها حفظ الأمن والنظام في الأقاليم، وكانت تستبدل كل عام.

ولم تكن للدولة السعودية سفن حربية على الرغم من أنها كانت تطل على الخليج. وكانت عند الحاجة تستعين بسفن الغوص التابعة لأهالي الساحل الخليجي، والتي تعمل عادة في صيد الأسماك واللؤلؤ.

وبناءً على نظام الجهادية فإنه أصبح بمقدور الدولة السعودية الأولى أن تجمع أعدادًا كبيرة من الرجال القادرين على الغزو. ويزداد هذا العدد أو يقل بقدر اتساع رقعة الدولة أو انحسارها.

النظام القضائي.

يقوم النظام القضائى في الدولة السعودية الأولى على أحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية، واجتهاد السلف الصالح من فقهاء المذاهب الأربعة خصوصًا الحنابلة منهم؛ ومن هنا فإن منصب القاضي من المناصب المهمة في الدولة السعودية الأولى.

ويشترط في من يتولى القضاء أن يكون من علماء الشرع الإسلامي الذين لهم علم ودراية طويلة في العلوم الشرعية، كي يستطيع الفصل في المنازعات والخلافات والشكاوي والقضايا التي تعرض عليه. وعليه أن يتصف بالنزاهة والعدل بين المتخاصمين فلا فرق لديه بين رفيع ووضيع، أو غني وفقير.

كانت الدولة السعودية الأولى تنفذ أحكام الشرع في عقوبة الجرائم والمخالفات. وكان القضاة يأخذون بالمذهب الذي يرونه أقرب إلى الصواب حتى وإن خالف مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وبفضل تطبيق أحكام الشرع الإسلامي بكل دقة وعدم تساهل، ساد الأمن ربوع البلاد، وعم الناس شعور عام بأن تنفيذ الحدود أمر لاتهاون فيه، ومن هنا قلت نسبة الجرائم والمخالفات.

النظام المالي.

كان للدولة السعودية الأولى بيت مال يشرف على إدارة الشؤون المالية، من حيث الموارد والصرف.

موارد بيت المال. وتأتي من كافة أًصناف الزكاة مثل زكاة الزروع والثمار ومقدارها العشر أو نصفه، وزكاة النقدين من ذهب وفضة وهي ربع العشر، وزكاة عروض التجارة ومقدارها ربع العشر، بالإضافة إلى زكاة الماشية من البقر والأغنام والإبل.

ومن موارد بيت المال الأخرى ماكان يدخل فيه من خمس الغنائم وهي تشكل نسبة جيدة بالنسبة لواردات بيت المال في الدولة السعودية الأولى، إذ أن نسبة خمس الغنائم تأتي في الدرجة الثانية بعد الزكاة من حيث موارد بيت المال. ومن الواضح أن حجم خمس الغنائم يزداد ويقل تبعًا لزيادة الغزوات أو قلتها بناءً على الظروف السياسية والاجتماعية.

وجدير بالذكر هنا أن الغزوات في عهد الدولة السعودية كانت كثيرة جدًا.
وقد أورد كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب
مجمل واردات بيت المال من الزكاة، فوصلت إلى أكثر من مليوني ريال. وقدرها بوركهارت أيضًا بحوالي مليوني ريال.

مصاريف بيت المال.

كانت الدولة السعودية الأولى تدفع من موارد الزكاة للفقراء والمساكين ومن شملتهم الآية القرآنية:

﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة: 60.

وكانت الدولة السعودية الأولى تخصص مبالغ من مال بيت المال لبناء بيوت الله، وأخرى تصرف على حلقات التعليم التي تعقد في المساجد، وعلى العلماء وطلاب العلم، وأئمة المساجد والمؤذنين. وكانت الدولة تدفع من بيت مالها رواتب القضاة وأمراء المناطق وجند الحاميات السعودية المرابطة في أقاليم الدولة، بالإضافة إلى مخصصات أمراء القوات، الذين يقودون الجيش وقت القتال ويشاركون في العمل الإداري الخاص بشؤون الدولة وأعمالها.

خصصت الدولة مبالغ من المال لمصروفات الضيافة، ولمساعدة المتضررين من جراء النكبات والكوارث التي تحل بالبلدان وتؤثر على أهلها. كما خصصت مبالغ من المال لسد حاجات بعض الأقاليم التي لاتكفي وارداتها لسد حاجتها المالية، بالإضافة إلى المبالغ المالية المخصصة للمشروعات الخيرية والاجتماعية وغيرها.

النظام التعليمي.

كان نظام التعليم وقتذاك نظامًا تقليديًا قديمًا متوارثًا، يقوم في المساجد أو الكتاتيب. وكان التعليم في غالب مناهجه وأسلوبه تعليمًا دينيًا في الدرجة الأولى، بالإضافة إلى اللغة العربية وبعض مبادئ الحساب. وركزت الدراسة الدينية على المذاكرة والاطلاع ودرس كتاب رياض الصالحين، وتفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومؤلفات الشيخ المجدد المصلح محمد بن عبدالوهاب. وكان الإمام محمد ابن عبدالوهاب وأبناؤه وتلاميذه هم الأساتذة وهم المشرفون على التعليم وكان الأساتذة العلماء يمنحون شهادات علميّة تقليديّة تسمى إجازة عندما يقتنع الشيخ الأستاذ بأن طالبه أتقن الدروس التي طلبها منه. وكانت الدولة السعودية الأولى تكفل التعليم، وتمنح المكافآت للطلاب، وتصرف رواتب للعلماء. وكان التعليم متاحًا لكل من له رغبة في العلم والتعلم والتزود بالعلوم الشرعية وعلوم القرآن والحديث وعلوم اللغة العربية.

الأنشطة الاقتصادية للسكان.

عمل الكثير من السكان في الزراعة التي تكثر عادة في الواحات مثل مناطق: الأحساء، والدواسر، والأفلاج، والخرج، والوشم، وسدير والقصيم وجبل شمر ومناطق الجنوب وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولى المترامية الأطراف. وكانت نسبة السكان الذين يعملون في الزراعة في تلك المناطق نسبة عالية. وهم يزرعون الحنطة والشعير والذرة والسمسم والأرز والخضراوات بأنواعها وأشجار الفواكه والنخيل. وطرق الزراعة عندهم طرق بدائية ويستخدمون المحراث الخشبي الذي تجره الإبل أو البقر وغيرهما.

وطرق الري عندهم طرق بدائية أيضًا.
وكان هناك قطاع من السكان يعمل في التجارة المحلية والخارجية. أما التجارة المحلية فهي تعتمد على البيع والشراء الداخلي، يتمثل ذلك في الدكاكين والمحلات التجارية والأسواق التي تنتشر في كل المدن والبلدان. وقد توافرت في الأسواق معظم الحاجيات الضرورية للسكان.

أما عن التجارة الخارجية؛ فكان سكان الأحساء ومدن العارض والوشم وسدير والقصيم وشمر والأفلاج والدواسر، يمارسون العمل في التجارة الخارجية، يجوبون بلاد الخارج من أجل التجارة. فتاجروا مع البلاد العربية المجاورة ومع الهند وغيرها، فصدروا الخيول العربية، وجلبوا البضائع والمصنوعات الضرورية مثل: الملابس، والبن والهيل والسكر والقرنفل والفلفل والكركم وغيرها. وهناك طرق تجارية برية وأخرى بحرية. وكان للتجار الكبار وكلاء في البصرة وجدة وصنعاء والبحرين والكويت ودمشق، ودلهي وغيرها.

أما عن الحرف فقد مارس بعض السكان الحرف اليدوية مثل الصياغة والحدادة والنجارة وصناعة الفخار وغيرها من الحرف المحلية لسد حاجة السوق المحليّ منها إلى جانب ا لمنسوجات من الصوف والوبر والأدوات والحصر المصنوعة من سعف النخيل.

أما قطاع البادية فيعمل في الرعي ويجوب المراعي كل في ديرته أو في الديار التابعة للقبائل المتحالفة، وظل هذا القطاع السكاني القبلي في حالة من التنقل والترحال طلبًا للعشب والماء، وبحثًا عن البلاد التي تشتري منتجاته، وهم بدورهم يشترون مايحتاجونه منها.

ويغلب على مجتمع نجد البداوة لأن غالبية سكانه وقتذاك كانوا من البدو، إذ قدرت نسبة البدو إلى الحضر بنسبة 1:2. أما المناطق الأخرى من الدولة ففيها حضر أكثر؛ لأن معظم سكانها مستقرون ويعملون بالزراعة أو الحرف أو مهن أخرى مثل صيد الأسماك واللؤلؤ والتجارة، وهذا لايمنع أن تكون مثل هذه المناطق غنية بالسكان البدو، لكن نسبة هؤلاء تظل أقل من نسبة السكان الحضر في تلك المناطق.

العلاقات الخارجية للدولة السعودية الأولى

سيطرت الدولة السعودية الأولى على أجزاء واسعة من أراضي الجزيرة العربية، شملت بلاد نجد بكاملها، من نهاية حدود جبل شمرّ في الشمال إلى نهاية حدود الربع الخالي في الجنوب حتى أن طلائع غاراتها وصلت أحيانًا إلى مشارف بلاد حضرموت.

كما ضمت مايعرف اليوم بالمنطقة الشرقية أو منطقة الأحساء، وشملت مدينة القطيف ونواحيها، والدمام ونواحيها، والهفوف ومنطقتها. كما شملت كل بلاد قطر. وانضمت إليها مناطق واسعة في الجنوب مثل منطقة عسير السراة وعسير تهامة أو مايعرف بمنطقة المخلاف السليماني، حتى أن نفوذها امتد إلى عدد من البلدان اليمنية الساحلية المطلة على البحر الأحمر.

وامتد نفوذها في منطقة الخليج إلى واحات البريمي، ومشيخات الساحل المتصالح، وإلى مناطق متوغلة في سلطنة مسقط وعُمان. ودخلت منطقة الحجاز فترة معينة في الدولة السعودية الأولى، وكذلك البحرين. وامتد نفوذ الدولة السعودية إلى الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية حتى أن غزواتها وصلت مناطق جنوب العراق، وكذلك بعض المناطق الجنوبية التابعة لولاية دمشق، وقد دفعت قبائل المنطقة زكاة للدولة السعودية الأولى دلالة على نوع من التبعية السياسية لتلك الدولة. وبناءً عليه فإن امتداد الدولة السعودية الأولى وحدودها ضمت منطقة شاسعة جدًا من أرض الجزيرة العربية، شملت معظم أراضي الجزيرة العربية، واستطاعت الدولة السعودية الأولى أن تكون دولة مستقلة عن الإدارة العثمانية في تلك المناطق، مطبقة فيها مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية الإصلاحية.

وكان لابد من قيام نوع من الاتصالات بين الدولة السعودية الأولى والدول العالمية الكبرى ذات النفوذ القوي في منطقة الخليج، ومع دولة فارس ذات الصلة الكبيرة بالوحدات السياسية الخليجية.

وقد أدّت العلاقة السياسيّة القائمة بين الدولة السعودية الأولى والوحدات السياسية في الخليج دورًا بارزًا في حدوث نوع من العلاقات أو الاتصالات بين الدولة السعودية الأولى والقوى الدولية، خصوصًا وأن عددًا من الوحدات السياسية الخليجية كانت على عداء تقليدي مع الدولة السعودية الأولى، وكانت في الوقت نفسه تستعين عليها بالدول الكبرى ذات النفوذ في الخليج.

وكانت دولة بريطانيا في مقدمة الدول الأوروبية ذات النفوذ الواسع والتأثير الكبير على عدد من الوحدات السياسيّة الخليجية. فقد استعانت سلطنة مسقط وعُمان بدولة بريطانيا، وأحيانًا بدولة فرنسا ضد الغزو السعودي.

وفي مناسبات أخرى كانت السلطنة العمانية تطلب العون من دولة فارس ضد الدولة السعودية الأولى، والحال نفسها بالنسبة للبحرين التي كانت تطلب العون من دولة العجم ومن بريطانيا أيضًا.

وقد أثر الصراع القائم بين دول أوروبا وعلى رأسها بريطانيا وبين نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا في حدوث نوع من الاتصالات البريطانية والفرنسية بالدولة السعودية الأولى؛

لأن كلتا الدولتين، البريطانية والفرنسية، كانت ترى ضرورة الاتصال بالقوى السياسية المحلية القوية ذات التأثير في حوادث الخليج، وتأتي الدولة السعودية الأولى في قمة الدول المحلية المعنية بالاهتمام البريطاني والفرنسي.

وقد ساهم التشابك المذهبي في مناطق الخليج وما له من سلبيات في إيجاد نوع من العلاقة القائمة بين الدولة السعودية الأولى وبين دولة فارس، وبناءً عليه فإنه لامندوحة من قيام علاقة أو اتصالات بين الدولة السعودية الأولى وبريطانيا وفرنسا ودولة فارس بسبب مجموعة من العوامل التي تضافرت معًا وتسببت في إيجاد أساس لتلك العلاقة.

علاقة الدولة ببريطانيا.

من المسلَّم به أن العلاقة القائمة بين الدولة السعودية الأولى وبريطانيا لم تصل إلى حد مفهوم العلاقات الخارجية بين الدول، تلك العلاقات ذات المفهوم الدبلوماسي الكامل، وإنما ظلت تلك العلاقة مجرد اتصالات محدودة، وفي مناسبات معينة وظروف سياسية خاصة، مثل التحالف القائم بين الدولة السعودية الأولى والقواسم الذين ظلوا في عداء تقليديّ مع كل من حكام سلطنة عُمان ومسقط، وبريطانيا، فقد جر هذا العداء الدولة السعودية الأولى إلى خلافات مع بريطانيا، علمًا بأن بريطانيا كانت لاترغب في التورط في العداء مع السعوديين؛ لأن مثل هذا العداء سيجرها إلى صراع طويل مع أقوى دولة محلية في الجزيرة العربية، ولأن هذا يقودها للتدخل في الشؤون الداخلية للقوى السياسية المحلية، وهو أمر لاترى بريطانيا التورط فيه لأن مصالحها الاستعمارية في المنطقة تتركز على مناطق الساحل وبالتالي فهي تخسر كثيرًا في حالة تدخلها في المناطق الداخلية من الجزيرة العربية.

زادت قناعة بريطانيا بضرورة اتخاذ موقف أكثر مرونة ولينًا تجاه الدولة السعودية الأولى، خصوصًا بعد تعرض مصالحها في الكويت وجنوب العراق للضغط والتأثير السعودي بعد وصول الحملات السعودية إلى تلك المناطق في عهد الدولة السعودية الأولى، علمًا بأن بريطانيا وقتذاك كانت قد نقلت مراكزها التجارية التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية من البصرة إلى الكويت مما يعرض مصالحها التجارية والبريدية للخطر.
تودّد المسؤولون المحليون البريطانيون في شركة الهند الشرقية البريطانية للمسؤولين السعوديين، وحاولوا قدر المستطاع التقرب منهم للمحافظة على سلامة طرق بريد الشركة المارة في المناطق الشمالية الشرقية من حدود الدولة السعودية الأولى أو من مناطق متاخمة لحدودها، وزاد إلحاح بريطانيا على هذا النمط من التقارب بينها وبين الدولة السعودية الأولى عندما زاد خلاف بريطانيا مع المسؤولين العثمانيين في ولاية البصرة.

جاءت بعثة بريطانية برئاسة رينود مساعد الوكيل البريطاني لشركة الهند الشرقية البريطانية في الكويت إلى الدرعية عام 1214هـ، 1799م لإجراء محادثات مع المسؤولين السعوديين، وعلى رأسهم الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود حول إيجاد نوع من العلاقات الوديّة وحسن المعاملة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى، بعد الخلاف القائم بين الطرفين الذي تمخض عن تدخل حرس الوكالة البريطانية في الكويت مع القوات الكويتية في رد هجوم سعوديّ ضد الكويت. وقد أدّى هذا الخلاف بطبيعته إلى تعرض بريد شركة الهند الشرقية البريطانية، المار من البصرة إلى حلب، لاعتداءات القبائل التابعة للدولة السعودية الأولى. وليس حادث الكويت وحده الذي كان يعكر صفو العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى، إنما كانت هناك مواقف بريطانية مماثلة حين ساعدت بريطانيا حكام سلطنة مسقط، وحكام البحرين في موقفهم المعادي للجانب السعودي، بالإضافة إلى موقفها العدائي الصارم تجاه القواسم المؤيدين للدولة السعودية الأولى، والمجاهدين ضد السيطرة الاستعمارية البريطانية في الخليج.

وقد استقبل المسؤولون السعوديون في الدرعيّة رينود استقبالاً حسنًا يليق بكرم الضيافة العربية. وأجرى رينود محادثات مطولة وموسعة مع الإمام السعودي عبدالعزيز بن محمد وأعضاء حكومته، تركزت على مبدأ تأمين سلامة بريد شركة الهند الشرقية البريطانية. ومن القرائن الواضحة أن بعثة رينود لم تحقق نجاحًا يذكر على الرغم من حرارة الاستقبال الذي قوبل به رئيس البعثة البريطانية في الدرعية. فقد ظل السعوديون يتحسسون كثيرًا مواقف الأجانب النصارى، خصوصًا أولئك الذين لهم أطماع استعمارية في العالم الإسلامي، فكان هذا السبب كفيلاً بفشل مهمة بعثة رينود.

وكان السعوديون حريصين كل الحرص على تجنب إقامة علاقة مفتوحة بينهم وبين بريطانيا الدولة النصرانية الاستعمارية، وهو أمر تفرضه عليهم الأسس الدينية والاجتماعية التي قامت عليهما الدولة السعودية الأولى. وممّا يفسر صدق هذا الرأي وصوابه أن بريطانيا كانت على الدوام هي السباقة في مجال الاتصالات بين الدولتين، فظل البريطانيون هم أول من يبدأ الاتصالات مع حكومة الدرعية. فقد وردت إلى الإمام السعودي عدة رسائل رسميّة من المعتمد البريطاني في بوشهر بمناسبة حدوث أمور طارئة في العلاقات بين الدولتين، خصوصًا في مسألة القواسم، وقد اعتمد الموقف البريطاني اللين تجاه حكومة الدرعية على مرتكزات أساس هي:

1ـ كانت بريطانيا تنفذ مخططها أولاً، ثم تلجأ بعد ذلك إلى الأسلوب الدبلوماسي الهادئ، إذ لاداعي للتشدد في الموقف بعد نيل المراد.

2ـ كانت بريطانيا واقعية في تعاملها لأنها تتعامل مع دولة محلية قوية وحدودها واسعة، ولها تأثيرها الكبير في المنطقة.

3ـ كانت بريطانيا تحاول من خلال موقفها اللين تجاه الدولة السعودية الأولى أن تحدّ من التدخل السعودي في مناطق نفوذها في الخليج.

4ـ حاولت بريطانيا أن تجعل نفسها دولة محايدة في المنطقة كي تتمكن من أن تقوم بدور الوسيط الفاعل في الخلافات التي تنشأ بين الوحدات السياسية في المنطقة.

5ـ حاولت بريطانيا أن تكون علاقتها بالدولة السعودية الأولى في الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري، السنوات العشر الأولى من القرن التاسع عشر الميلادي، علاقة ود وسلام، على الرغم من أنها كانت، في الخفاء أحيانًا وبشكل علنيّ أحيانًا أخرى، تساعد القوى المحلية الخليجية المعادية للدولة السعودية الأولى.

ومن الواضح أن الموقف البريطاني تجاه الدولة السعودية الأولى كان نابعًا من مصالحها، ولا يعتمد البتة على مبدأ حسن النية، بل ظلت بريطانيا توجه علاقتها مع الدولة السعودية من خلال منظور مصالحها واحتياجاتها السياسية والدبلوماسية. فموقف بريطانيا من الدولة السعودية اتسم بالخبث والكراهيّة،

لأن بريطانيا كانت لاترغب بحال من الأحوال أن ترى دولة محلية قوية تجاورها في الخليج، ولها عرى صداقة وأخوة وجوار مع القوى المحلية الخليجية.

وقد اتضح الموقف البريطاني بشكل جلي بعد سقوط الدرعية حين أرسلت بريطانيا الكابتن الإنجليزي سادلر إلى الدرعية ليهنئ إبراهيم باشا على انتصاره العسكري على الدولة السعودية الأولى، ويتضح أيضًا مما ألصقه المسؤولون البريطانيون من تهم وصفات جارحة بالدولة السعودية الأولى من خلال وثائقهم وتقاريرهم الرسميّة عنها.

علاقة الدولة بفرنسا.

لم تكن علاقة فرنسا بالدولة السعودية الأولى واضحة كما هو الحال بالنسبة لوضوح العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى. وقد بدأت ملامح تلك العلاقة في الظهور بعد حملة نابليون بونابرت على الشرق كجزء من الصراع الفرنسي البريطاني. فقد حاول نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا أن يخطب ود حكام الشرق كي يفيد منهم في دعم موقف فرنسا ضد الأوروبيين، خصوصًا بريطانيا. ومع أن المحاولة الفرنسية كانت حديثة وتميزت بعدم الجدية، إلا إنها تظل فاتحة تطلع فرنسي تجاه القوى المحلية في الجزيرة العربية، خصوصًا القوى المحلية الخليجية. وزاد التطلع الفرنسي للمنطقة في فترة الحروب النابليونية في أوروبا، ومن هنا وجهت فرنسا بعثة فرنسية برئاسة جردان للقيام بنشاط كبير في بلاد فارس ومناطق الخليج ذات الصلة بالطرق البحرية الموصلة إلى الهند، لضرب خطوط المواصلات البريطانية في الشرق كجزء من الموقف الفرنسي المنافس للاستعمار البريطاني في الشرق. وحريّ بنا أن نلحظ أنه ليس بمقدور الفرنسيين وقتذاك أن يفعلوا شيئًا ضد بريطانيا، وباءت محاولاتهم بالفشل.

تذكر بعض الروايات التاريخية أن بعثة فرنسية برئاسة دي لاسكارس كانت قد وصلت إلى الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز عام 1226هـ، 1811م. وقد تباحثت تلك البعثة مع المسؤولين السعوديين حول قيام علاقات بين فرنسا والدولة السعودية الأولى. وتذكر بعض المصادر أن البعثة الفرنسية كانت قد طلبت من الإمام سعود بن عبدالعزيز أن يقف إلى جانب الفرنسيين ضد الدولة العثمانية، لكي يتمكن نابليون من ضرب النفوذ البريطاني في الشرق، وبالمقابل فإن فرنسا على استعداد لدعم الدولة السعودية الأولى في موقفها المعادي للدولة العثمانية، عن طريق غزو بلاد الشام وضمها إلى الدولة السعودية الأولى. ومعروف أن الإمام سعود بن عبدالعزيز كان معجبًا بعسكرية نابليون وسمعته القتالية. لكن بريطانيا كانت تراقب الموقف عن كثب، فأرسلت بعثة بريطانية إلى الإمام السعوديّ تنصحه بعدم التورط في مساندة الموقف الفرنسي، أو توقيع أي اتفاق مع الحكومة الفرنسية مقابل أن تضغط على السلطان العثماني وتجبره على الاعتراف بالحكم السعودي.

وتشير المصادر إلى أن الاتصالات الفرنسية السعودية انتهت بفشل نابليون في حروبه في الجبهة الروسية، والتي عدت بداية سقوطه.

ويجب علينا أن نلحظ هنا أن الواقع التاريخي لايؤكد مثل هذه الادعاءات التاريخية، لأن البعثة المذكورة لم نجد لها ذكرًا في المؤلفات النجدية التي كانت تدون كل شاردة وواردة عن الدولة السعودية الأولى، خصوصًا في عهد الإمام سعود الكبير، كما أن هذه الحادثة لم يرد لها ذكر في كتب التاريخ المعاصرة للحوادث، عربية كانت أو أجنبية، خصوصًا في الوثائق البريطانية، ولذا فإن مثل تلك المعلومات التاريخية تظل معلومات مشكوكًا في صحتها، حتى أن الكاتب الفرنسي المشهور جاك بيزلي يشك في قيام مثل هذه البعثة. ومما يدعم هذا الرأي أن فرنسا لم يكن لها وجود قوي في منطقة الخليج والجزيرة العربية.

الدّولةُ السُّعودية الثّانية

قامت على الأسس نفسها التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى من العمل على تصحيح العقيدة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وإذا كانت الدولة السعودية الأولى قد انهارت سياسيًا، إلا إنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الثانية، إذ ظلت مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية ماثلة في أذهان الناس، وظل المجتمع النجدي يكن ولاء واحترامًا للأسرة السعودية التي وحدت البلاد في ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، ووفرت الأمن والاستقرار والرخاء، وتبنت نشر الدعوة والدفاع عنها وعن أتباعها ضد القوات العثمانية والمصرية. ويأتي على رأس هؤلاء المؤيدين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة من أبنائه وأحفاده، وعلماء البلاد، وكلهم أصحاب نفوذ وتأثير في مجتمعهم لما كانوا يتمتعون به من منزلة دينية وعلمية محترمة ومقدَّرة من قبل الجميع.
وزاد تقرب الناس في نجد من السلطة السعودية، ذات الطابع الديني والوطني والمحلي بسبب ما وصلت إليه أوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من تَرَدٍ، بالإضافة إلى سوء المعاملة التي عاملهم بها جنود محمد علي باشا أثناء حروبهم في نجد، وبعد انسحابهم منها. فقد عذبت عددًا من العلماء، والأهالي، ودمّرت الدرعية، وضربت أسوارها بالمدافع. وأسر إبراهيم باشا حوالي أربعمائة من العلماء والزعماء والشيوخ، وبخاصة كل من أمسكوا به من آل سعود، وآل الشيخ. وبناءً عليه، فقد عالج كل من محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا المسألة النجدية من زاوية سياسية فقط، واعتقدوا أنه الحل دون النظر إلى القضايا الأخرى في المسألة، تلك القضايا التي ظلت تشكل الحجر الأساسي في قيام الدولة السعودية الثانية. ومن أكبر أخطاء الدولة العثمانية وواليها محمد علي باشا أنهم ظلوا يقدرون الأمور والمسائل الشائكة وعلاجها من منطلق مفهوم سياسي فقط.
مقومات قيام الدولة السعودية الثانية جهود الأمير مشاري بن سعود آل سعود.
حاول محمد بن مشاري بن معمّر أن يسد الفراغ السياسي الذي أحدثه رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية والأراضي النجدية الأخرى فيما بعد. وقد راودت ابن معمّر فكرة بناء وحدة سياسية في نجد تكون بزعامته وزعامة أسرته، وهو لا يمانع من أن يدين بولائه للدولة العثمانية ممثلة في سيادة محمد علي باشا. إلا أن محاولة ابن معمّر فشلت لا بسبب عجزه، وإنما بسبب ظهور الأمير السعودي مشاري بن سعود الكبير، أخي الإمام عبد الله بن سعود، آخر أئمة الدولة السعودية الأولى، وهو مطالِب شرعي بالحكم في نجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية التي كانت تحت السيادة السعودية في عهد الدولة السعودية الأولى. فقد هرب الأمير مشاري بن سعود الكبير من حراسه أثناء توجه قافلة الأسرى السعوديين من المدينة المنورة إلى ينبع. فعاد إلى نجد، ووصل الوشم وجمع الأنصار والأعوان من مؤيدي آل سعود وتوجه بهم إلى الدرعية، فتنازل له محمد ابن مشاري بن معمَّر عن الحكم لكنه ظل يبطن غير ما يظهر، مستخدمًا أسلوب اللين ثُمّ عاود الدهاء في التعامل مع الأمير السعودي مشاري بن سعود الذي أيده الناس وبايعوه على الحكم.
بعد فترة قصيرة خرج ابن معمّر من الدرعية وتوجه إلى بلدة سدوس بحجة زيارة أقاربه فيها، لكنه أخذ يجمع الأنصار وشكل منهم قوات تدعمه وتمكنه من السيطرة على الحكم في الدرعية، وهو أمر ظل يراوده كثيرًا. وقد استمال إلى جانبه الشيخ فيصل الدويش، شيخ قبيلة مطير الذي أرسل إليه عددًا من أتباع قبيلته، وقد تمكن محمد بن مشاري بن معمر من الهجوم على الدرعية ولم يتمكن مشاري بن سعود من الدفاع عنها، فألقى ابن معمّر القبض عليه، وزجّ به في السجن، ثم أرسله بعد ذلك إلى سدوس. ثم تقدم ابن معمر إلى الرياض ودخلها بعد أن كان الأمير تركي بن عبد الله قد خرج منها عندما سمع بقدوم ابن معمّر وقواته إليها. وهكذا تمكن ابن معمّر من انتزاع الحكم من الأمير مشاري بن سعود، مصممًا على مد نفوذه في ربوع نجد. وأرسل ابن معمّر إلى القيادة العثمانية المصرية أخبار ما حدث، معلنًا ولاءه لتلك القيادة، وهي أعمال تُعدّ موافقة لمصالح الدولة العثمانية في المنطقة.
أما عن مصير الأمير مشاري بن سعود الموجود في السجن في سدوس، فقد سلمه جماعة ابن معمّر إلى قيادة القوات العثمانية المصرية المرابطة في سدوس، وقد أرسلته تلك القيادة بدورها إلى قيادة القوات العثمانية المصرية في عنيزة، وهناك وُضع في السجن ومات فيه عام 1236هـ،1820م. وتُعدّ محاولة الأمير مشاري بن سعود في سبيل إعادة مجد أسرته السياسي والاجتماعي محاولة سعودية أولى جادة هدفها إعادة بناء الدولة السعودية في دورها الثاني، إلا أن محاولته هذه جُوبِهت بحركة محلية مضادة هدفها هي الأخرى بناء وحدة سياسية محلية تابعة للدولة العثمانية تكون بزعامة أسرة آل معمّر، أمراء العيينة قبل قيام الدولة السعودية الأولى. وقد رأى العثمانيون تدعيم تلك القوة المحلية، ما دامت تدور في فلكهم وتحت لوائهم. وعليه فإن ظهور زعامة الأمير مشاري بن سعود كانت قد تزامنت مع تحديات القوى النجدية المحلية غير القوة السعودية في منطقة نجد، وتزايد قوة القوى المحلية الأخرى خارج نجد، وهي أمور أعاقت نجاح حركة مشاري ابن سعود، بالإضافة إلى عداوة الدولة العثمانية لآل سعود وأتباعهم.
جهود الأمير تركي بن عبد الله آل سعود.
ظهر الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود على مسرح الأحداث السياسية في بلاد نجد في عهد إمارة محمد بن مشاري بن معمّر الذي كوّن إمارة قصيرة العهد في الدرعية وما حولها من بلدان مثل الرياض. وكان ذلك في أعقاب رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية. وحاول ابن معمّر بذلك أن يكوّن إمارة نجدية محلية تحت زعامة أسرة آل معمّر، وتابعة للعثمانيين وواليهم محمد علي باشا.
وتبين الروايات التاريخية النجدية أن تركي بن عبد الله أيد ابن معمر وسانده ودعمه يوم أن ظهر في الدرعية بعد رحيل إبراهيم باشا عنها. ولكن موقف تركي وولاءه لابن معمّر قد تغير تمامًا بعد ما غدر بابن عمه مشاري بن سعود.
دأب الأمير تركي بن عبد الله في فترتي حكمه على إعادة تكوين الدولة السعودية بعد انهيارها على يد إبراهيم باشا. ففاجأ محمد بن مشاري بن معمّر في الدرعية وألقى عليه القبض، وتولَّى الحكم فيها، وأيده سكانها. ثم هاجم الرياض ودخلها وألقى القبض على مشاري بن محمد بن معمّر،. وبهذا يكون الأمير تركي بن عبد الله قد سيطر على مقاليد الحكم بعد أن أزاح من طريقه قوة محلية نجدية منافسة هي قوة آل معمّر ونفوذهم في المنطقة. وقرر تركي ابن عبد الله أن يتخذ من الرياض عاصمة له عوضًا عن الدرعية التي تحطمت فيها كل وسائل الدفاع عنها مثل القلاع والحصون والأسوار وما إلى ذلك. وقد اشترط تركي على محمد بن مشاري بن معمّر وابنه مشاري أن يعملا على إطلاق سراح ابن عمه مشاري، وإلا قتلهما. ولما كان أتباع ابن معمر قد سلموا مشاري بن سعود إلى خليل آغا القائد العثماني في بلدة سدوس، وهو بدوره نقله إلى القيادة العثمانية في عنيزة، ومات هناك في السجن، لذا نفذ تركي بن عبد الله فيهما حكم القتل عام 1236هـ، 1820م.
هاجم فيصل الدويش رئيس قبيلة مطير، ومعه عدد من القوات العثمانية المرابطة في عنيزة الرياض، لكن تركي بن عبد الله وقواته المرابطة داخل المدينة، صدوا الهجوم، وصمدوا في وجه حصار قوات فيصل الدويش للرياض، مما اضطر معه فيصل الدويش إلى رفع الحصار عن الرياض والرحيل عنها، متوجهًا بقواته صوب منطقة الوشم لإعداد حملة قوية يكون بإمكانها السيطرة على الرياض، معتمدًا بذلك على القوات العثمانية التي وصلت إلى نجد تحت قيادة القائد العثماني حسين بك، والتي أرسلها محمد علي وابنه إبراهيم باشا إلى نجد لتقويض دعائم السلطة السعودية التي ظهرت من جديد محاولة إعادة تأسيس الكيان السعودي في دوره الثاني.
وصلت القوات العثمانية المصرية إلى منطقة الوشم برئاسة حسين بك، وفي الوشم انتدب حسين بك أحد ضباطه عبوش آغا (آبوش آغا) للتوجه صوب الرياض من أجل احتلالها والقضاء على حكم تركي بن عبد الله، وترتيب الأوضاع الأمنية والإدارية في المنطقة.
اضطر تركي بن عبد الله أن يخرج سرًا من الرياض بعد حصار عبوش آغا وقواته لها، متوجهًا إلى بلدان جنوب الرياض. وبعد أن احتل عبوش آغا بلدة الرياض وصل حسين بك إليها وأمّر فيها ناصر بن حمد العائذي وعند رحيله من نجد ترك حاميات من العسكر في أمهات مدن نجد وفتك بمن يظن بهم مقاومة العثمانيين، وعمل في القرى قريبًا مما عمله إبراهيم باشا فعمت الفتن والحروب، وضربت الفوضى اطنابها من جديد، فقتل رئيس حامية الرياض إبراهيم كاشف وأميرها ناصر بن حمد العائذي. ومهدت هذه الأحداث لظهور تركي مرة أخرى حيث قدم في رمضان عام 1238هـ، 1822م من بلدة الحلوة لاستئناف الكفاح من جديد لاستعادة ملك أبائه، واتخذ من بلدة عرقة مركزًا لعملياته الحربية ضد المحتلين.
هاجم تركي وقواته التي جمعها من البلدان النجدية القوات العثمانية المصرية الموجودة في منفوحة والرياض. واستطاع في أول الأمر أن يقضي على مقاومة جند الدولة العثمانية في بلدة منفوحة في أواخر عام 1239هـ، 1824م، ويكون بذلك قد قضى على معقل من معاقل القوات العثمانية المصرية في منطقة العارض.
وفي مطلع عام 1240هـ، 1824م، توجه تركي بقواته من منفوحة إلى الرياض، فحاصرها حوالي شهر، لكن جندها من العثمانيين والمصريين صمدوا في وجه الحصار إلى أن وصلتهم قوات نجدة بقيادة فيصل الدويش الذي ظل يؤيد محمد علي وقواته، وتمكن فيصل الدويش من فك الحصار عن الرياض، وانسحب تركي إلى بلدة عرقة. ولما رحل فيصل الدويش مع قواته عاود تركي الهجوم على الرياض، وحاصرها حصارًا شديدًا، فاضطر القائد العثماني أبو علي المغربي إلى طلب الصلح في مطلع عام 1240هـ،1824م فقبل الأمير تركي ذلك شريطة أن يخرج مع قواته من الرياض ويرحل بهم إلى خارج نجد، علمًا بأن القوات العثمانية المصرية كانت عادة تأتي من منطقة الحجاز، وعندما ترحل عن نجد تتوجه إلى الحجاز أيضًا.
وهكذا تمكن تركي بن عبد الله من دخول الرياض، وبايعه الناس إمامًا عليهم. ونشط هذا الإمام في إتمام مشروعه الكبير الرامي إلى توحيد البلاد النجدية تحت حكمه، ثم إعادة المناطق التي كانت تابعة للدولة السعودية الأولى وتوحيدها مع البلاد النجدية في إطار دولة واحدة تعيد أمجاد الدولة السعودية الأولى. وساعدت حركات أهالي نجد ضد القوات العثمانية المصرية، وعندما أجبرته على الرحيل من بلدان نجد، ساعدت على إنجاح مشروع الإمام تركي بن عبدالله. ونال الإمام تركي بن عبد الله تأييد معظم زعماء نجد وعارض مشروعه عدد قليل منهم، مما اضطر الإمام تركي ابن عبد الله إلى استخدام القوة العسكرية لإخضاعهم لسيادته، وسيادة الدولة السعودية.
وبفضل جهود الإمام تركي بن عبد الله، وبفضل ما لقيه من دعم وعون من أهالي نجد، تمكن هذا الإمام من توحيد جميع نجد في أواخر عام 1243هـ، 1828م. وتابع الإمام جهوده محاولاً استعادة المناطق التي كانت تابعة لدولة أجداده غير إقليم نجد. فاستطاع ضم منطقة الأحساء بكاملها، وضم أجزاء واسعة من أرض سلطنة عمان، وأيده سكان البادية ودفعوا له الزكاة، دلالة على التبعية لحكمه وسيادته. وبذلك استطاع الإمام تركي بن عبد الله أن يقيم الحكم السعودي الجديد، وينشر الأمن والاستقرار في ربوع البلاد. وقد ساعده ابنه فيصل بن تركي في إنجاح مشروعه الكبير عندما كان يقود القوات السعودية ضد المعارضين والمتمردين على حكم أبيه، وعندما كان يتولى شؤون الحكم والإدارة أثناء غياب والده، وبذلك يكون فيصل بن تركي قد ساعد أباه تركي ابن عبد الله في بناء صرح الكيان السعودي الجديد الذي ورث الدولة السعودية الأولى. وبفضل سياسة الإمام تركي ابن عبد الله الواعية، وحكمته وتجربته الإدارية والحربية وشجاعته وعدله، دخلت البلاد في عهد جديد من الأمن والاستقرار.
وكانت نهاية الإمام تركي بن عبد الله آل سعود مفجعة حقًا عندما قُتل في مؤامرة أواخر ذي الحجة عام 1249هـ، 1834م، دبرها ابن اخته الأمير مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، وبعد وفاة الإمام تركي بن عبد الله أعلن مشاري بن عبد الرحمن آل سعود نفسه أميرًا على الرياض، ولكنه لم يتمتع بهذا الحكم أكثر من أربعين يومًا فقط، تمكن بعدها فيصل بن تركي بن عبد الله من استرداد الحكم.
وبهذا يكون تركي بن عبد الله قد حكم فترتين دامت الأولى من عام 1235ـ 1236هـ، 1819 ـ 1820م، والأخرى من عام 1238 ـ 1249 هـ، 1822 ـ 1834م.
جهود فيصل بن تركي آل سعود.
كان فيصل بن تركي من بين الأسرى السعوديين الذين رحلهم إبراهيم باشا إلى القاهرة بعد احتلاله الدرعية والقضاء على الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ، 1818م. وظل في القاهرة حتى تمكن من العودة إلى نجد ليساعد والده تركي ابن عبد الله آل سعود في بناء الدولة السعودية التي كان يحاول تركي تأسيسها من جديد بعد رحيل إبراهيم باشا وقواته عن الدرعية وغيرها من بلدان نجد. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي أصبح الساعد الأيمن لوالده.
كان فيصل، في الوقت الذي قُتل فيه والده تركي بن عبدالله، في المنطقة الشرقية، يعمل على توطيد الحكم هناك، وتنظيم إدارة المنطقة. وفي القطيف، اجتمع فيصل بمستشاريه وأعوانه مثل عبد الله بن رشيد، وعمر بن عفيصان، وقرر الجميع إرسال بعض القوات السعودية الموجودة في المنطقة الشرقية إلى الرياض للقضاء على حركة التمرد التي قادها مشاري بن عبد الرحمن ضد حكم تركي بن عبد الله آل سعود.
تمكن فيصل بن تركي من القضاء على مشاري بن عبد الرحمن آل سعود الذي وَليَ حكم الرياض بالقوة فترة لا تزيد على أربعين يومًا، وهكذا استطاع فيصل بن تركي أن يتسلم مقاليد الحكم، وبايعه الأهالي، وبدأت بذلك فترة حكم الإمام فيصل بن تركي المرة الأولى. واستطاع فيصل أن يعيد الاستقرار ويدعم الأمن في أرجاء البلاد السعودية التي كانت تابعة لحكم والده تركي. فوطد الأمن في ربوع نجد، والمنطقة الشرقية، بالإضافة إلى توطيد دعائم الحكم السعودي في مناطق من عُمان ومناطق الساحل العماني، ولقي تأييدًا كبيرًا في منطقة عسير وبذل فيصل أقصى جهده من أجل تثبيت دعائم الحكم السعودي في تلك المناطق.
فيصل يصطدم بأطماع محمد علي.
اصطدم مشروع فيصل بن تركي ومحاولاته من أجل بناء الدولة السعودية الثانية، وتركيز دعائمها، بأطماع محمد علي باشا وخططه التوسعية على حساب أملاك الدولة العثمانية في ولاياتها العربية. فثار محمد علي على الدولة العلية العثمانية، ودخل معها في حروب طويلة، وانتصر على قواتها، وضم إلى حكمه ولايات عثمانية عربية غير ولاية مصر. وقرر محمد علي باشا أن يثبت دعائم مشروعه الكبير الواسع في السيطرة على الجزيرة العربية التي كانت ضمن مشروعه هذا. وهنا كان لا بد أن تصطدم أطماع محمد علي باشا مع القوى المحلية في الجزيرة العربية وعلى رأسها القوة السعودية التي يقودها الإمام فيصل بن تركي، إذ أن فترة حكم الإمام تركي في المرة الأولى كانت قد تزامنت مع قيام محمد علي باشا بحركته الانفصالية ضد العثمانيين، وأهدافه ومشروعاته التوسعية في أجزاء من البلاد العربية التابعة لحكم الدولة العثمانية.
أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية قوية على نجد بقيادة إسماعيل بك، ورافقه فيها الأمير السعودي خالد بن سعود الكبير، أخو الأمام عبد الله بن سعود الكبير، آخر حكام الدولة السعودية الأولى. ونلحظ هنا أن محمد علي باشا حرص كل الحرص على أن تكون حملاته الجديدة على نجد وغيرها، حملات قوية ومنظمة إلى حد ما لكي توازي أطماعه التوسعية الرامية إلى إقامة دولة عربية واسعة تحت زعامته، تكون الجزيرة العربية ضمن حدودها لأن فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة من جهة، ولأنها تساعده على نشر سلطته وسيادته على مناطق الخليج، وتوصله إلى مناطق العراق من جهة أخرى.
وكان محمد علي باشا قد أرسل مع الحملة المذكورة الأمير السعودي خالد بن سعود، وأنعم عليه برتبة قائمقامية الشق الثاني من ديوانه، ليكون سلطة اسمية فقط، أما السلطة الفعلية فهي بيد محمد علي باشا. وقد أراد محمد علي باشا من وراء ذلك أن يقنع الأهالي في نجد بأن السلطة الجديدة ما هي إلا سلطة محلية وطنية، وعن طريقها يمكنه فرض سيادته وسلطته على البلاد النجدية.
رحيل فيصل بن تركي إلى القاهرة.
وعلى الرغم من محاولة الإمام فيصل بن تركي الجادة لوقف الزحف العسكري المصري الممثل بزعامة محمد علي باشا، لكنه فشل في نهاية الأمر تحت ضغط القوات المصرية التي دعمها محمد علي باشا وقواها عندما ساندها بحملة عسكرية أخرى تحت قيادة القائد العسكري المحنك خورشيد باشا. واضطر الإمام فيصل بن تركي بعد مقاومة أبداها ضد القوات المصرية إلى الاستسلام، والذهاب إلى القاهرة منفيًا على شرط أن يؤمن خورشيد أتباع فيصل على أرواحهم وأموالهم. وكان استسلام الإمام فيصل بن تركي في العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1254هـ، ديسمبر عام 1838م. وهكذا ضاع الجهد السعودي كله، وسيطرت قوات محمد علي باشا على البلاد، وانتهى حكم فيصل بن تركي في فترته الأولى التي امتدت من عام 1250 ـ 1254هـ، 1834 ـ 1838م.
عُرف فيصل بن تركي بحنكته وحكمته، وسار في حكم البلاد سيرًا حميدًا وموفقًا، وقد أيده الناس، وعدّوه رمزًا وطنيًا دافع عن استقلال بلادهم، وحرص على تثبيت دعائم الحكم السعودي الوطني المحلي، وهو أمر أيده الكثيرون في البلاد النجدية.
كذلك فإن الإمام فيصل بن تركي كان يتمتع بشخصية محبوبة، وكانت له تجارب كبيرة في المجالات الحربية والسياسية والإدارية. وظل يقود المقاومة ضد حكم محمد علي في نجد خاصة والجزيرة العربية عامة بكل إصرار وعناد، مما أكسبه شعبية كبيرة بين أهالي نجد وغيرها من الأقاليم الأخرى في الجزيرة العربية.
الدول الأوروبية تحاصر أطماع محمد علي.
وباستسلام الإمام فيصل بن تركي لخورشيد باشا، بدأ النفوذ المصري المتمثل بسيادة محمد علي باشا في الانتشار والامتداد باتجاه المناطق الساحلية الشرقية من الجزيرة العربية، مدعيًا أن نفوذه السياسي والعسكري هو خليفة للنفوذ السعودي. وهو أمر أخذت أوروبا تتخوف منه، وراودها الشك عندما علمت بمشروعات محمد علي باشا التوسعية، فبدأت تعمل بالتعاون مع أعدائه على وقف نشاطه التوسعي والعمل على تقليم أظافره، وتحديد دائرة نفوذه في ولاية مصر فقط. وهو أمر نفذته بريطانيا مع غيرها في معاهدة لندن عام 1256هـ،1840م، واضطرته إلى سحب جميع قواته من كل الولايات العثمانية التي احتلها أثناء حركة انفصاله، فسحب قواته من الجزيرة العربية وبلاد الشام. وأبقى خورشيد باشا الأمير خالد بن سعود على حكم البلاد النجدية تاركًا معه عددًا قليلاً من الحاميات العسكرية المصرية بعد أن وصلت الأوامر من محمد علي باشا إلى خورشيد باشا بالتوجه فورًا إلى مصر مع معظم قواته، باستثناء عدد قليل من الجنود الاحتياطيين الذين بقوا في نجد تحت إشراف الأمير خالد بن سعود من أجل حمايته ودعمه. وبانسحاب خورشيد باشا وجنده، انتهى حكم محمد علي باشا المباشر في الجزيرة العربية عامة، ونجد خاصة، وتسلم خالد ابن سعود الحكم في نجد.
لم يمكث خالد بن سعود في حكم نجد وقتًا طويلاً لأن الأهالي في نجد عدّوه صنيعة محمد علي باشا، وآلته التي استخدمها من أجل تركيز نفوذه في البلاد. كما أن حكم خالد بن سعود اختلف في نمطه وأسلوبه ونهجه عن أسلوب الحكم السعودي المتعارف عليه في البلاد. لذا لم يلق تأييد الأهالي، بل نفروا منه، وأيدوا بالفعل الأمير السعودي عبد الله بن ثنيان الذي رفع علم المقاومة ضد حكم خالد بن سعود، وانتهى الأمر بفرار خالد وتسلم عبد الله بن ثنيان الحكم في نجد. واستطاع ابن ثنيان أن يسيطر على الأمور ليس في نجد فقط، وإنما بسط نفوذه على كل المناطق التي كانت تابعة للسيادة السعودية في عهد الإمامين، تركي بن عبد الله، وابنه فيصل بن تركي آل سعود. ودام حكم عبد الله بن ثنيان فترة عامين فقط، تمكن فيهما من تثبيت السيادة الوطنية السعودية، وإخراج كل القوات العسكرية الموالية لمحمد علي باشا، والتي ظلت في البلاد النجدية لدعم نظام خالد بن سعود الموالي لحكم محمد علي باشا. وانتهى حكم عبد الله بن ثنيان في منتصف شهر جمادى الآخرة عام 1259هـ، 1843م. واتصف حكم عبد الله بن ثنيان بالقوة والشدة وكثرة الإجراءات التأديبية، مما سبب نقمة عليه من جانب عدد كبير من الأهالي، ومهد السبيل لنجاح فيصل بن تركي آل سعود وتغلبه على ابن ثنيان.
عودة فيصل بن تركي من مصر.
عاد فيصل بن تركي من منفاه في القاهرة إلى نجد بعد توقيع معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، ويرجح أن تكون السلطات المصرية هي التي أمرت بإطلاق سراحه بعد تغير الظروف العامة والدولية، خاصة بالنسبة لمشروعات محمد علي باشا وتوسعاته. ولا يُستبعد أن تكون السلطة في مصر هي التي دبرت خروجه من القاهرة وهيأت له سبل ذلك. وتُشير بعض الروايات التاريخية إلى أن عباس الأول حفيد محمد علي باشا هو الذي دبر أمر خروجه من السجن لأنه كان معجبًا بذكائه ونضج عقله وتديّنه. وعباس باشا كان من مساعدي محمد علي باشا، ومن المقربين منه، فأشار على جده أن يطلق سراحه فوافق جده على هذا الرأي. ونلحظ أن زمن خروج فيصل بن تركي من السجن يتوافق زمنيًا مع فترة حكم محمد علي باشا الذي ظل في السلطة حتى عام 1264هـ، 1847م، إذ بعد هذا التاريخ تدهورت صحة الباشا، وأصيب بضعف في قواه العقلية، فعُزل عن الحكم وتولى الحكم من بعده إبراهيم باشا.
نرجح هذه الرواية لأنها تنتظم مع الأحداث المعاصرة لمسألة الخروج من السجن. فيرجح أن محمد علي باشا أراد أن يخرج فيصل بن تركي من سجنه لينتقم من ابن ثنيان الذي ثار على خالد بن سعود في نجد الموالي لسيادة محمد علي، كما أن ابن ثنيان كان قد أخرج كل الحاميات المصرية الاحتياطية المتبقية في نجد تحت زعامة خالد بن سعود. وكان محمد علي باشا يعلم علم اليقين أن عودة فيصل بن تركي إلى نجد واستعادة السيادة فيه وفي غيره من الأقاليم الأخرى من الجزيرة العربية مكسب لولاية مصر وحكامها لأنه سيحافظ على العلاقات الودية معها. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي ظل طوال فترة حكمه محافظًا على الصداقة وطابع الود والصفاء مع السلطة في مصر.
فيصل بن تركي وبناء الدولة السعودية المستقرة
وصل فيصل بن تركي جبل شمَّر، وأقام مدة قصيرة في حائل عند صديقه الحميم عبد الله بن رشيد، أمير جبل شمر. وأثناء إقامة فيصل بن تركي في حائل، أخذ يراسل حكام مناطق نجد، وأمراء بلدانها، وشيوخ القبائل طالبًا منهم الدعم والعون والتأييد ضد عبد الله بن ثنيان الذي حكم البلاد بعد فشل خالد بن سعود في المحافظة على سلطته بعد رحيل القوات المصرية عن البلاد من جهة، وقيام حركة ابن ثنيان من جهة أخرى.
كان فيصل بن تركي محبوبًا في بلدان نجد، وكان في نظرهم الزعيم السعودي الذي يستحق المبايعة والدعم؛ لما له من مواقف وبطولات سجلها في مقاومة حكم محمد علي باشا، فعدّوه بطلاً وطنيًا محليًا يعبر عن استقلالهم وحريتهم. فأطاعه معظم أهالي القصيم وغيرها من مناطق نجد، ودعموه وساعدوه، مما أضعف معه مقاومة ابن ثنيان الذي أصر على مخاصمة فيصل وحربه أملاً في البقاء في الحكم. انتصر فيصل بن تركي على خصمه ابن ثنيان، ودخل الرياض، وحاصر ابن ثنيان في قصر الحكم، وعلى الرغم من محاولة ابن ثنيان الهرب لكن أتباع فيصل قبضوا عليه وسلموه إلى فيصل بن تركي فوضعه في السجن، ومات فيه بعد حوالي شهر من سجنه.
ويصف بيلي حكم الإمام فيصل بن تركي بقوله: ( إن جميع الأطراف الشرقية اعترفت بعدالة حكم الإمام فيصل ابن تركي وشدته، وأنّ حكمه لم يسبق له مثيل في النجاح، فقد كبح جماح القبائل، ونشر بينهم عادات المتحضرين، ووجَّه أفكارهم نحو الزراعة والتجارة).
تُعدّ الفترة الثانية من حكم الإمام فيصل بن تركي من عام 1259 ـ 1282هـ، 1843 ـ 1865م فترة تكوين الدولة السعودية الثانية وبنائها على أساس قوي وفي جو سياسي واجتماعي واقتصادي مستقر. وحكم فيصل بن تركي في هذه المرة حكمًا طويلاً مستمرًا بلغ حوالي 23 سنة، أخمد فيها حركات التمرد وما كانت تنتاب البلاد من قلاقل واضطرابات وحروب، وكانت فترة حكم الإمام فيصل بن تركي في المرة الثانية ـ بحق ـ فترة سلام نسبي.
حاول الإمام فيصل بن تركي أثناء فترة حكمه الآخرة تكوين علاقة ودية مع الدولة العثمانية، ونجح في ذلك إلى حد ما مما جنبه الدخول في مشكلات معها، وأمِن تدخلها في شؤونه، حتى بدأت الدولة العثمانية سياسة تقوية قبضتها على البلاد العربية، ودب النزاع بين أبناء الإمام، فعاودت الدولة تدخلها باحتلال مدحت باشا الأحساء عام 1288هـ، 1871م على نحو ما سيأتي تفصيله. كما أقام الإمام فيصل بن تركي علاقة حسنة مع الحكومة المصرية، وساد جو من الهدوء والسلام مع القوى المحلية المحيطة بدولته. ونظم شؤون دولته في المجالات: الإدارية والاقتصادية والقضائية، وثبّت الحكم السعودي على أساس قوي وفي جو سياسي مستقر، وأرسى قواعد الأمن والاستقرار، وقوّى من شأن الرياض عاصمة الدولة السعودية، وفرض طاعته واحترامه على الجميع. وقد وافته منيته في الرياض في شهر رجب عام 1282هـ، 1865م، وبموته تكون الدولة السعودية الثانية قد فقدت أكبر حكامها. وقد خلفه في الحكم أكبر أولاده وهو عبد الله بن فيصل بعد أن بايعه الأهالي إمامًا عليهم.
ضعف الدولة السعودية الثانية
كان الأمير عبدالله بن فيصل أكبر إخوته ، والساعد الأيمن لوالده، الإمام فيصل بن تركي، في قيادة المعارك وإدارة شؤون البلاد. ولهذا اختاره وليًا لعهده. ولما توفي الإمام فيصل، سنة 1282هـ، 1865م، بويع ابنه، عبد الله، بالإمامة. لكن لم تمض سنة من حكمه إلا وقد اختلف معه أخوه الأمير سعود، وخرج من الرياض مغاضبًا له. واحتدم الخلاف بين الأخوين حتى أدى إلى نشوب معارك بين الأمير سعود ومن انضم إليه من فئات قبلية وبين قوات الإمام عبدالله. وكان من أهم تلك المعارك:
معركة المعتلى.
عام 1283هـ، 1867م وهي من المعارك الضارية، فقد قتل فيها عدد كبير من الطرفين وخاصة أتباع سعود، وجرح سعود جروحًا بليغة، وأصيب في إحدى يديه، فلجأ إلى إحدى القبائل، وبقي عندها للتداوي حتى برئت جراحه.
معركة جودة.
لم يكتف المغرضون بما انتهت إليه معركة المعتلى من نتائج وصاروا يحرضون الأمير سعودًا على معاودة الكرة، فأعد جيشًا كثيفًا جمعه من القبائل الموالية له، والتقى هذا الجيش بقوات الإمام عبدالله الفيصل على ماء (جودة) عام 1287هـ، 1870م ودارت بين الجيشين معركة شرسة تعد من المعارك الفاصلة في تاريخ هذا النزاع، وهزمت قوات الإمام عبدالله واستولى سعود على الأحساء، ثم واصل نشاطه العسكري واستولى على الرياض عام 1288هـ، إبريل 1871م.
وقعة البرَّة.
لما علم الإمام عبدالله الفيصل بهزيمة جيشه واستـيلاء أخـيه على الأحـساء والمنطـقة الشرقية، توقع أن يواصل سعود زحفه على الريـاض، فقرر مغادرتها درءًا للشر، ولكي يجنب الرياض وأهلـها حربًا غشومًا وقودها الرجال والمال، فخرج بما بقي معه من قوة وثروة، وفي الطريق التقـت قواته بجيش أخيه سعود في البرة في جمادى الأولى عام 1288هـ، يوليو 1871م، وحلـت الهزيمة بقوته ـ في معركة غير متكافئة ـ فـهام على وجهه يطلب العون من أهل نجد فلم يجبه أحد. وعندما فقد الأمل استجار بالأتراك العثمانيين في العراق (فكان كالمستجير من الرمضـاء بالنار) فأعد (مدحت باشا) جيشًا من الجنود النظاميين تسـانده بعض القبـائل فانتزعوا الأحساء من إمارة سعـود واحـتلوها وأطلـقوا عليها اسم (ولاية نجد).
توفي الإمام سعود في ذي الحجة عام 1291هـ، يناير 1875م وبايع أهل الرياض الإمام عبدالرحمن بن فيصل، لأنه كان موجودًا في الرياض، فلما عاد أخوه عبدالله عام 1293هـ تنازل له عن الإمامة. لكن أبناء أخيه سعود خرجوا عليه فيما بعد، وقبضوا عليه في الرياض عام 1305هـ، ففتح هذا التصرف الباب لتدخل الأمير (محمد بن عبدالله الرشيد) الذي أجهز على الدولة السعودية الثانية ـ على نحو ما سيأتي تفصيله ـ.
الموقف العثماني من الفتنة الأهلية.
لم تقف الدولـة العثمـانية موقـف المتفرج من نزاع الأخويـن الدائـر بين الإمـام عبد الله بن فيصـل وأخيه الأمـير سعود بن فيصـل، بل كانت دومًــا تتحـين الفرص من أجـل استعـادة سيادتها على مناطـق الخليـج العربي الساحليــة، خاصـة في منطـقة الأحــساء وقطر وغيرهـما من مناطـق الخلـيج الـعربي.
وجاءت الفرصة للدولة العلية العثمانية عندما ـ الإمام عبد الله بن فيصل من مدحت باشا والي بغداد مسـاعدة الدولة العثـمانية له ضد حركة أخيه سعود، خاصة بعد انتصار سعود وقواته على قوات الإمام عبد الله في وقعة جودة في رمضان عام 1287هـ، 1 ديسمبر عام 1870م، والتي قتل فيها كثير من الطرفين، ووقع الأمير محمد بن فيصل أسيرًا في قبضـة القـوات المواليـة للأمير سعـود بن فيصل ودخل الأمير سعود بن فيصـل على أثرها الرياض وبايعه أهلها.
وكما هو معروف فإن الدولة العثمانية كانت ترمي إلى تركيز دعائم الحكم العثماني في ولاياتها الشرقية، ولذا نجدها تضاعف حامياتها في كل ولاياتها، خاصة في الحجاز واليمن والعراق. وعينت كذلك مدحت باشا الرجل الشديد والطموح حاكمًا عامًا على العراق، وأطلقت يده في بسط نفوذ الدولة العثمانية في أي اتجاه يراه مناسبًا. ومما ساعد الدولة على تحقيق مخططاتها الجديدة افتتاح قناة السويس عام 1286هـ، 1869م، فأصبح في مقدورها إرسال حملات عسكرية بحرية كبيرة تساند قواتها البرية، بالإضافة إلى ما قامت به الدولة العثمانية من تنظيمات عسكرية في أعقاب حرب القرم.
جاء طلب عبد الله بن فيصل النجدة من والي بغداد فرصة جيدة للدولة العثمانيـة لتنفيـذ ما خطـطت له، على الرغم من معارضـة بريطانيا وادعائهـا بأن مثل هذه المخططات العثمانية تعكر صفو السلام في المنطقة. وبناءً عليه، أرسل مدحت باشا حملة عسكرية قوية ومنظمة عام 1288هـ، 1871م إلى منطقة الأحساء واحتلتها، وأطلقت عليها اسم ولاية نجد.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مدحت باشا كان قد وعد الإمام عبد الله بن فيصل بتعيينه قائم مقام على نجد ولكنه أخلف وعده. وقد ترتب على الحملة العثمانية انسلاخ المنطقة الشرقية عن الدولة السعـودية الثانية، فزاد بذلك ضعف الدولة السعودية الثانية، وخاصة موقف الإمام عبد الله بن فيصل، ولم يكن ذلك إلا بسبب الخلاف الدائر بين عبد الله بن فيصل وسعود بن فيصل والقوى المؤيدة لكل منهما.
موقف آل رشيد من الفتنة.
استفاد آل رشيد من الفتنة الأهلية فأخذوا يوسعون دائرة نفوذهم في البلدان النجدية غير جبل شمّر. فتدخل الأمير محمد بن رشيد في شؤون القصيم الداخلية عام 1293هـ، 1876م. وتدخل محمد بن رشيد أيضًا في فك الحصار عن بلدة المجمعة التي حاصرها الإمام عبد الله بن فيصل عام 1299هـ، 1882م، واضطر الإمام عبد الله إلى فك الحصار عنها تحت ضغط قوات محمد بن رشيد التي كان يناصرها حسن بن مهنّا الذي انضم بقواته إلى جانب قوات ابن رشيد. ومعروف أن الأمير محمد بن عبد الله بن رشـيد يُعدّ بحق من أشهر أمراء جبل شمّر بعد عبد الله بن رشيد مؤسس إمارة آل رشيد، إذ توسـعت الإمارة الرشيدية في عهـده فشـملت، إلى جانب جبل شمر، منطقة الجوف ووادي السرحان، ودام حكم هذا الأمير قرابة ربع قرن.
انتصر الأمير محمد بن رشيد على قوات الإمام عبد الله بن فيصـل في وقعة أم العـصافير قرب المجمعة عندما هب ابن رشيد، وحسن بن مهنّا لنجدة المجمعة التي ظلت ترفـض الولاء والطاعة للإمام عبد الله بن فيصل، في وقت كانت تعيش فيه بلدان نجد في جو من الحروب والمنازعـات والفوضـى؛ بسـبب ضعـف السلطة المركزية السـعودية نتيجة استمرار الفتنة الأهلية. وبعد وقعة أم العصـافير تمكن الأمير محـمد بن رشيد من فرض سيطرته على إقليمي الوشـم وسدير، ويكون بذلك قد قوّض دعائم الحكم السعـودي بشكل تدريجي، إذ انحصر هذا الحكم في منطـقة العارض ومناطق جنـوبي الرياض، حتى إن مناطق جنوبي الرياض ظلـت وقتها تؤيـد أولاد الأمـير سعــود بن فيصل المعارضين لحكم عمهـم الإمام عبـد الله بن فيــصل.
تدخّل محمـد بن عبد الله بن رشيــد في الحوادث الدائرة في الرياض في الوقت الذي دخل فيه أبنـاء الأمـير سعـود بن فيـصل الريــاض وقبضوا على عمهــم. فجــاء محمــد بن رشيـد بقــواته إلى الرياض بحجـة مساعــدة الإمـــام عبــداللـه ابن فيصل، واستطاع محمد بن رشيد دخول الرياض والسيطرة على مقاليد السلطة الفعلية فيها. وقبل مغادرته عين سالم بن سبهان أميرًا على الرياض كحاكم فعلي فيها. وذهب الإمام عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن بن فيصل مع محمد بن رشيد إلى حائل وظلا هناك من عام 1307هـ، 1889م. وهكذا تطورت الحوادث وتسارعت الأمور بشكل كبير ضد الدولة السعودية الثانية.
توفي الإمام عبد الله بن فيصل في 8 ربيع الآخر من عام 1307هـ، 24 نوفمبر عام 1889م، ونودي بأخيه الأمير عبد الرحمن بن فيصل إمامًا للدولة السعودية الثانية التي كانت تحتضر. وقد امتاز الإمام عبد الرحمن بن فيصل بالكفاءة والقدرة وحسن التدبير، إلا أنه تزعم الدولة في ظروف ليست في صالحه. فابن رشيد كان حينذاك يخطط لإنهاء حكم آل سعود، وإسقاط الدولة السعودية ليحل مكانها حكم آل رشيد وقيادتهم لنجد. لذا قرر محمد بن رشيد أن يتخلص من الإمام عبد الرحمن بتدبير مؤامرة لاغتياله بوساطة تابعه سالم بن سبهان الذي أصبح له نفوذ كبير في الرياض. ولكن الإمام عبد الرحمن اكتشف المؤامرة، وزج بسالم بن سبهان في السجن. فاستغل محمد ابن رشيد هذا الحادث لتنفيذ مخططه الرامي إلى السيطرة على جميع نجد.
توجه محمد بن رشيد عام 1308هـ،1890م بقواته إلى الرياض، وحاصرها وقطع الكثير من نخيلها، وناوشه أهلها. وشكل الناس في الرياض وفدًا لمفاوضة ابن رشيد، وكان رئيس الوفد الأمير محمد بن فيصل آل سعود، أخا الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ومعه ابن أخيه عبد العزيز بن عبد الرحمن والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ. وتم الاتفاق على: 1ـ يطلق الإمام عبد الرحمن بن فيصل سراح سالم بن سبهان. 2ـ أن تكون سيادة عبد الرحمن بن فيصل على منطقتي العارض والخرج.
لم يدم هذا الاتفاق طويلاً لأن محمد بن رشيد حارب أهالي القصيم وهزمهم في وقعة كبيرة هي وقعة المليدا الفاصلة التي سيطر في أعقابها محمد بن رشيد على منطقة القصيم، وتفرغ بعد ذلك لمواجهة الوضع في الرياض، حيث أخذ يطوي بلدان نجد تدريجيًا تحت سيادته.
وهكذا لم تصبح لدى الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود قوة كافية لمواجهة أطماع الأمير محمد بن رشيد، ولم يكن قادرًا على إيقاف تقدمه صوب الرياض، خاصة بعد وقعة المليدا. فقرر الإمام عبد الرحمن بن فيصل مغادرة الرياض هو وأفراد أسرته، وقد ترك أخاه محمد بن فيصل يحكم الرياض نائبًا عنه عام 1308هـ، 1890م. وذهب عبد الرحمن بن فيصل إلى قبيلة العجمان. ومع أن الإمام عبد الرحمن بن فيصل حاول أن يجمع القوات المناصرة له ليعيد نشاطه ضد ابن رشيد، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل عندما انتصر محمد بن رشيد وقواته على عبدالرحمن بن فيصل وقواته قرب بلدة حريملاء، واضطر عبدالرحمن بن فيصل للعودة إلى قبيلة العجمان ليقيم في كنفها. ويُعدّ عام 1309هـ، 1891م، العام الذي وقعت فيه وقعة حريملاء، نهاية الدولة السعودية الثانية وسقوطها، ثُمَّ حلَّت محلَّها في نجد سيادة أسرة آل رشيد تحت زعامة الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد الذي قضى على الدولة السعودية الثانية. واستقر المطاف بآل سعود ليحلوا ضيوفًا على شيخ الكويت.
نتائج الفتنة.
عمت البلاد حروب شملت بلاد نجد، وامتدت خارجها. وسادت البلاد السعودية حالة من الفوضى دامت أكثر من ثلاثين سنة. وعادت الصراعات القبلية، وبرزت روح العداء التقليدي بين الجماعات الحضرية والبدوية. وظهرت روح العداء بين الجماعات والعائلات الحضرية التي كانت متعادية ومتناحرة قبل مجيء السلطة المركزية القوية التي استطاعت إخماد جذوة الفتن وكسر حدّة عنفها.
شجعت الفتنة آل رشيد على السيطرة على كل البلاد النجدية. وتمكن العثمانيون من سلخ المنطقة الشرقية، مما أدّى إلى زوال الدولة السعودية الثانية. وتشجيع إمام عمان فانتزع منطقة البريمي التي ظلت تخضع للدولة السعودية على مرّ حقب تاريخها. ونعمت بريطانيا باستقرار نفوذها في الخليج بعد أن ضعفت القوة المحلية المؤثرة.
أما في المجال الاقتصادي، فقد انشغل الأهالي في الحروب، وساد جو من عدم الأمن والاستقرار مما أثر على الوضع الاقتصادي في منطقة نجد خاصة لأنها مركز الفتنة، وأرضها. فتراجعت الزراعة والتجارة والصناعة، وأثر ذلك على الرعي. وسادت حركة القوافل التجارية حالة من القلق وعدم الاطمئنان الناجمين عن فقدان الأمن في الطرق التجارية، مما شجع بعض الجماعات البدوية على أخذ الأتاوى التجارية العالية، وشجع بعضها على قطع الطرق التجارية والسيطرة على حمولة القوافل التجارية بالقوة بعد زوال السلطة المركزية القوية. وأمر بديهي أن تتأثر الأوضاع الاقتصادية بالأوضاع السياسية في المنطقة، فكلما عم الأمن والاستقرار والهدوء والسلام في البلاد، ازدهرت الحياة الاقتصادية.
ونتج عن الفتنة تمزيق وحدة المجتمع بعد أن تهيأت له أسباب الانقسام كدخول القبائل في حروب ضد بعضها. وأثرت الفتنة على الحياة التعليمية والثقافية في البلاد، فُشلّت حركة الكتاتيب، ومن ناحية أخرى ألهبت الحروب عواطف الشعراء ففاضت قرائحهم بالشعر الذي يصف الفتنة ونتائجها ومدى المساوئ السياسية والاجتماعية التي خلفتها.
نظام الحكم والإدارة في الدولة السعودية الثانية
تشمل أنظمة الدولة في مجال الحكم والإدارة: النظام السياسي، والنظام الحربي، والنظام الإداري، والنظام القضائي، والنظام المالي. ودستور الدولة السعودية الثانية يقوم على أساس تطبيق الشريعة الإسلامية، ونصرة التوحيد، وهي في أحكامها تستند إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومذاهب الأئمة الأربعة. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (الحق والصواب ما جاء به الكتاب والسنة، وما قاله وعمل به الأصحاب واختاره الأئمة الأربعة المقلدة في الأحكام، فقد انعقد على صحة ما قالوه الإجماع). وبناءً عليه، ركزت الدولة السعودية الثانية على المسائل الدينية في المقام الأول. ونتيجة لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، فقد قلت السرقات والأعمال المخالفة للشرع الإسلامي، كما قلت في المجتمع العادات الاجتماعية الذميمة المخالفة للشريعة الإسلامية وكَثُرَت التقاليد والعادات العربية الأصيلة التي أقرها الإسلام وحافظ عليها.
النظام السياسي.
يشتمل النظام السياسي في الدولة السعودية الثانية على المناصب التالية:
الإمام. وهو الرئيس الأعلى للدولة، وصاحب السلطات الفعلية والرئيسية فيها. ويدعم مركز الإمام ويقويه استناده في حكمه على تطبيق أحكام الشرع الإسلامي. فالإمام هو الرئيس السياسي للنظام كله، وهو القائد العام للقوات السعودية، وهو صاحب السلطة في إبرام المعاهدات وإعلان الحرب. وعنده تحل جميع المسائل المعقدة والخلافات الكبيرة التي كانت تحدث بين العائلات، أو تلك التي كانت تحدث بين القبائل وغير ذلك من المسائل الاجتماعية الصعبة. وهو المسؤول الأول عن شؤون بيت المال، وموارده ومصارفه. وللإمام ديوان في قصر الحكم يجتمع فيه مع مستشاريه وقضاته وأمراء البلدان وشيوخ القبائل. ومركز إقامة الإمام هو قصر الحكم في الرياض.
ولي العهد. سارت الدولة السعودية الثانية في اختيار ولي العهد على النظام الوراثي الأسري للابن الأكبر من أبناء الإمام الحاكم. ويتحمل ولي العهد أعباء كبيرة من مهمّات الدولة وواجباتها الوظيفية، خاصة في غياب الإمام في حالات الغزو أو الإجازات أو الزيارات أو المرض وغيرها. وأحيانًا كان يعين ولي العهد أميرًا على إقليم أو منطقة من مناطق الدولة من أجل تدريبه على الأمور الإدارية والسياسية، ولكي يظل على احتكاك بالناس ليتعرف على أحوالهم واحتياجاتهم، وبالتالي يكون قد اكتسب خبرة جيدة في مجال الإدارة العامة تفيده عند تسلمه مقاليد الحكم في البلاد. وكثيرًا ما كان يتسلم ولي العهد أمر قيادة القوات بدلاً من والده، وذلك من أجل تدريبه على فنون الحرب وأعمال الفروسية لأنه في المستقبل سيكون قائدًا عامًا للغزو عندما يصبح إمامًا خلفًا للإمام السابق. ومهما يكن الأمر، فقد كانت بيد ولي العهد سلطات وصلاحيات محدودة قدر الإمكان لأن كل السلطات الفعلية بيد الإمام نفسه.
أمراء الأقاليم. كانت الدولة السعودية الثانية مقسمة إلى عدة مناطق أو أقاليم، عُيِّن على كل إقليم أمير، وقد راعى الإمام عدة اعتبارات عند تعيين الأمراء، كأن يكون الأمير من بين الرؤساء المحليين، ومن بين الموالين للدولة والمؤيدين لنظامها، أو من بين الموظفين الإداريين الذين اشتغلوا بالوظائف الإدارية في الدولة، وغيرها من الاعتبارات الأخرى. ومهما يكن للأمير من نفوذ في منطقته، فإن هذا لا يحول بينه وبين العزل أو النقل أو التأديب في حالات العصيان أو التمرد أو الاختلاس أو سوء الإدارة.
ويأتي مركز الأمير في الدرجة الأولى بعد مركز ولي العهد، خاصة في إمارته أو إقليمه. فهو المشرف على كل الإدارة والشؤون المالية في الإقليم أو المنطقة التي يرأس إمارتها. وهو المسؤول الأول عن جمع قوات الغزو عند إعلان النفير العام بأمر من الإمام نفسه. فالأمير هو الممثل الأول للإمام في الإقليم. وتظل سلطة الإمام قوية على أمرائه، فكثيرًا ما كان يجمع أمراء النواحي والمناطق والأقاليم ويخاطبهم بمنتهى القسوة والتهديد في حال قوع الخلل أو المخالفات الكبيرة. نقتطف نصًا من خطاب الإمام فيصل بن تركي مخاطبًا أمراءه: "إنكم إذا ورد أمري عليكم بالمغزا حملتموهم زيادة لكم وإياكم ذلك فإنه ما منعني أن أجعل على أهل البلدان زيادة ركاب في غزوهم إلا الرفق بهم، واعلموا أني لا أبيحكم أن تأخذوا من الرعايا شيئًا... ومن حدث منه منكم ظلم على رعيته فليس أدبه عزله بل أجليه عن وطنه...". ويمكن توضيح مهمات الأمير بالآتي:
- هو المسؤول الأول في الإقليم ونائب عن الإمام فيه.
- عليه أن يجهز الغزو، وغالبًا يكون هو قائد جيش إمارته.
- عليه جمع الزكاة والأعشار والجهادية من الأهالي في الإقليم.
- عليه أن يرسل خمس الغنائم إلى السلطة المركزية في الرياض في حال انتصار قواته على الجماعات المتمردة على السلطة أو في حال الغزو الخارجي.
- هو المسؤول الأول عن توزيع عطايا السلطان وهباته.
الشورى.
الشورى. طبقت الدولة السعودية الثانية مبدأ الشورى في نظام حكمها في مختلف مراحله. وتنقسم الشورى إلى قسمين: أ- شورى خاصة ب- شورى عامة.
أما الشورى الخاصة فهي تضم عددًا من الأمراء والقضاة والفقهاء والقادة وبعض أفراد الأسرة السعودية وبعض شيوخ القبائل. وتجتمع هذه النخبة من أصحاب الرأي والمشورة في الرياض، عاصمة الدولة السعودية الثانية، وعندما يأمر الإمام باجتماعها، وينعقد اجتماع أعضاء الشورى في الحالات المهمة مثل حالات إعلان الحرب، وتعيين ولي العهد وغيرهما من الأمور المهمة التي تتطلب التشاور والمحاورة وأخذ عدد من الآراء في موضوع معين.
غدت الشورى في الدولة السعودية الثانية نظامًا واضحًا في عهد الإمام فيصل بن تركي؛ فمنذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها الحكم عقد اجتماعًا حضره مجلس شوراه الذي كان يتكون من عبد الله بن رشيد، وعبدالعزيز ابن محمد آل عليان أمير بريدة، وتركي الهزاني أمير الحريق، وحمد بن يحيى بن غيهب أمير الوشم وغيرهم من الأعوان والفقهاء وشيوخ القبائل، وذلك لمناقشة شؤون الأقاليم وأحوال سكانها واحتياجاتهم.
اجتمع مجلس الشورى أيضًا للتباحث والتشاور في وضع الخطط اللازمة لمقاومة حملة القائد إسماعيل بك وخالد بن سعود اللذين أرسلهما محمد علي باشا للقبض على فيصل بن تركي، وإنهاء سيادة الدولة السعودية الثانية.
أما الشورى العامة فهي أعم وأوسع من مفهوم الشورى الخاصة، وهي تُعقد على شكل اجتماعات رسمية عامة، وفي مناسبات معينة إما من أجل دراسة بعض المشكلات المتعلقة بالأقاليم، أو في حال حدوث فتور وحالات تمرد قامت به جماعات معينة أو قبيلة معينة أو إقليم معين من بين أقاليم الدولة. وعلى الرغم من أن مثل هذه الاجتماعات القليلة عامة، إلا أنه كان يحضرها القضاة والفقهاء والشيوخ والرؤساء المحليون وأصحاب الفكر والقادة وغيرهم إلى جانب عدد من الأهالي الذين يُدْعون لحضور مثل هذه الاجتماعات في مؤتمرات رسمية عامة. وخير ما يمثل هذا النمط من الشورى العامة اجتماع وثيلان
الذي عقد في الدهناء قرب عين ماء تسمى وثيلان، اجتمع فيه الإمام تركي بن عبد الله بعامة المسؤولين في الأقاليم.
النظام العسكري.
يشمل هذا النظام إعداد القوات وأنواعها وطرق الحرب والوسائل والمعدات التي يحارب بها الجندي. والواقع أنه ليس في الدولة السعودية الثانية تنظيم عسكري بالمعنى الحديث، وإنما كانت الدولة السعودية الثانية تعتمد على نظام النفير العام، وهو يعني التعبئة الحربية العامة في البلاد بقسميها الحضري والبدوي. وكان إعداد النفير العام يتم على الشكل التالي:
- يصدر الإمام بصفته القائد العام للغزو أوامره إلى أمراء المناطق وأهمها: جبل شمّر، والقصيم، والدواسر، والأفلاج، والخرج، وسدير، والوشم، والعارض، والأحساء، بتجهيز قواتهم والحضور إلى مكان يكون قد عينه الإمام سرًا.
- كان الأمير في الإقليم يمثل الإمام، لذا عليه أن يجهز قواته المطلوبة بالسلاح والعتاد والطعام الذي يكفي تلك القوات على الأقل بضعة أيام.
- يجتمع الإمام بأمراء القوات كلها وبمساعديهم وقادة قواتهم وعندها يقرر الإمام الجهة المراد غزوها.
- تظل القوات في حال النفير العام حتى تصدر أوامر من الإمام بانصراف القوات إلى ديارها.
كانت معدات تلك القوات بسيطة، ولا تجديد فيها، فهي السيف والرمح والبندقية وبعض المدافع القديمة. وتتكون القوات السعودية من مشاة وفرسان وهجانة، أما بالنسبة للبحرية، فهي لا تتعدى عملية نقل بعض الجند بالسفن إلى البر. أما عن خطط القوات الحربية فهي تعتمد على المباغتة أو الهجوم المكشوف أو الكمين أو أسلوب الكر والفر أو أسلوب الزحف. وكانت القوات وقت الحرب تقسم إلى قلب وميمنة وميسرة ومقدمة، وهو نظام مألوف في القتال. ولم يكن للجنود المقاتلين رواتب محددة، بل كانت توزع عليهم الغنائم بعد طرح خمسها. وكانت الدولة السعودية الثانية تجمع قوات تقدر بحوالي مائة ألف جندي.
النظام الإداري.
يشتمل هذا النظام على التوزيعات الإدارية في الدولة السعودية الثانية، مثل المناصب الإدارية في الدولة، والترتيبات الإدارية في الأقاليم التابعة للدولة. وقد أعطانا وليم بيلجريف الذي زار جبل شمّر والرياض والمنطقة الشرقية عام 1280هـ، 1863م في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية لائحة بأسماء الأقاليم التي كانت تتألف منها الدولة السعودية الثانية، وهي: العارض، الخرج، الحريق، الأفلاج، السليِّل، الوشم، سدير، القصيم، الهفوف، القطيف، البريمي، جبل شمّر، الجوف، خيبر، تيماء. وظلت هذه التقسيمات الإدارية بالنسبة للمناطق طيلة عهد الإمام فيصل بن تركي، ومطلع حكم ابنه الإمام عبد الله بن فيصل. وبعد ذلك انفرطت وحدة الدولة بسبب الفتنة الأهلية وتجزأت إلى قسمين، الشرقي وقد احتله العثمانيون، والآخر سيطر عليه آل رشيد. ولما احتل العثمانيون منطقة الأحساء وقطر قسموها إداريًا إلى ثلاثة أقضية هي: الهفوف، والقطيف، وقطر. أما بالنسبة لآل رشيد، فقد ظل الوضع الإداري القديم قائمًا، باستثناء بعض الإجراءات الإدارية المؤقتة.
ويذكر المؤرخ العراقي إبراهيم بن فصيح الحيديّ أن عدد الوظائف الإدارية في الدولة السعودية الثانية وصل إلى ألف وظيفة إدارية في نجد، وإلى خمسمائة وظيفة إدارية في الهفوف، وخمسمائة وظيفة إدارية في القطيف، وخمسمائة وظيفة إدارية في البريمي، ولم يذكر لنا عدد الوظائف الإدارية في جبل شمّر، وربما يعود ذلك لبداية انفراط عقد الدولة السعودية الثانية بسبب الفتنة. وعينت الدولة السعودية حكامًا (أمراء) على المناطق وأعطتهم صلاحيات الأمير حاكم الإقليم.
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تشبه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ديوان الحسبة
في دولة صدر الإسلام، على الرغم من وجود بعض الاختلافات بينهما. وورد ذكر الهيئة في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ يقول: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على من قدر عليه من جميع الرعية وهو في حق الإمام أعظم، فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين، بل يجب عليه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القريب والبعيد. ويؤدب الغال بما يردعه وأمثاله عن الغلول من أموال المسلمين". يدلُّ ذلك على أنَّ تشكيل الهيئة في نظر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمر ضروري. واتضح أمر الهيئة في عهد الإمام فيصل بن تركي الذي ركز في خطابه الذي عممه على الأهالي في فترة حكمه الأولى على وجوب تشكيل الهيئة، وعلى أمراء المناطق كلهم دعمها ومعاضدتها لأنها هي أيضًا دعم لهم. وتكونت الهيئة من جديد في فترة حكم الإمام فيصل الثانية بعد عودته من مصر وتسلمه مقاليد الحكم في البلاد، فأمر في أول خطاب له ألقاه على الأهالي بإعادة تكوين تلك الهيئة، وما زالت الدولة السعودية تدعمها وتقويها حتى وقتنا الحاضر.
أما عن واجبات الهيئة فهي كالتالي: الإشراف على تطبيق الشريعة الإسلامية، عن طريق المراقبة التي يقوم بها أفراد جماعة الهيئة الذين يسمون نواب، ووظيفتهم تذكير الناس بأوقات الصلاة، وترك أعمال البيع والشراء حتى يفرغوا من أداء الصلاة في المساجد والإشراف على الآداب العامة، وعلى الموازين والمكاييل ومراعاة أحكام الشرع في عمليات البيع والشراء.
النظام القضائي.
يستند النظام القضائي في الدولة السعودية الثانية على أساس أحكام الشريعة الإسلامية. فقد انتشرت المحاكم الشرعية في ربوع البلدان ووزعت الدولة القضاة على الأقاليم لحل جميع المشكلات المختلفة التي تنشب بين أفراد المجتمع. ويأتي القاضي في الدرجة الأولى من حيث الرتبة الوظيفية بعد أمير الإقليم مباشرة. وللقضاة كلمة مسموعة لدى الحكام وعند الناس. ومركز القاضي يكاد يكون ثابتًا، فكثير من القضاة خدموا في سلك القضاء مدة حياتهم، ولم يتعرض منصب القاضي لتغيُّرات طارئة وغير طارئة لأن هذا المنصب منصب ديني في الدرجة الأولى، ومهمته الفصل في الخصومات والمنازعات بين الأهالي على أساس الشرع الإسلامي. وقد اشتهر عدد من القضاة في عهد الدولة السعودية الثانية، منهم: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ والشيخ علي بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ عبد الرحمن بن حمد الثميري والشيخ عبد العزيز ابن عثمان بن عبد الجبار والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ عبد الله الوهيبي والشيخ جمعان بن ناصر والشيخ عبد اللطيف بن الشيخ مبارك آل مبارك والشيخ أحمد بن مشرف والشيخ ناصر بن علي العريني والشيخ محمد بن مقرن والشيخ محمود الفارسي وغيرهم من قضاة الدولة.
النظام المالي.
كان للدولة السعودية الثانية بيت مال خاص بها. وأهم وارداته: الزكاة بكل أنواعها. وقد كانت زكاة أقاليم الدولة ومناطقها تبلغ حوالي 265,000ريال سنويًا وكانت زكاة القبائل تصل إلى حوالي 115,000ريال سنويًا، بالإضافة إلى الزكاة التي كانت تؤخذ من مسقط فقد بلغت حوالي 6,000 ريال سنويًا، ومن البحرين حوالي 4,000 ريال سنويًا، ومن شيوخ ساحل عمان حوالي 1,200 ريال سنويًا، ومن صحار في القسم العماني غير مسقط حوالي 8,000 ريال سنويًا. فبلغ مجموع واردات الدولة السعودية الثانية من الزكاة أكثر من 400,000 ريال سنويًا.
وهناك واردات أخرى مثل الجمارك التي تؤخذ على البضائع التجارية القادمة من خارج البلاد. وليس لدينا سجلات رسمية تحصي مقدار ما كانت تأخذه الدولة السعودية الثانية من جمارك.
وهناك مورد خاص هو الغنائم أو مكاسب المعركة من أسلاب الحرب عند اندحار العدو أو في حال انكساره، وحصة بيت المال منها الخمس، وأما الباقي فيوزع على المحاربين كل حسب كفاءته ورتبته ومقدرته القتالية.
وهناك مورد آخر وهو ضريبة الجهادية التي كانت تؤخذ من السكان كبدل عسكري، تصرف على القوات الغازية.
أما مجالات الصرف في الدولة السعودية الثانية فهي تقوم على دفع رواتب الإداريين والقضاة وغيرهم. وهناك مصروفات على شكل منح وهدايا تُعطى لشيوخ القبائل والعلماء وغيرهم. وهناك مصروفات مخصصة للفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل ودور الشؤون الاجتماعية مثل دور الأيتام والعجزة. وهناك مصروفات عامة تخص المجالات العمرانية وغيرها من المشروعات العامة القليلة نسبيًا وقتذاك.
النظام الاقتصادي الداخلي.
يشتمل الاقتصاد على جميع المرافق الزراعية والتجارية والحرفية في البلاد.
الزراعة. تكثر في الواحات والمناطق الزراعية وهي كثيرة ومنتشرة في ربوع البلاد. وكانت نسبة السكان الذين يعملون في الزراعة عالية جدًا.
التجارة. تأتي في الدرجة الثانية بعد الزراعة، وهي نوعان: تجارة داخلية وتجارة خارجية، وتتمثل جميعها في عمليات البيع والشراء والتبادل التجاري. وقد توفرت في أسواق البلاد الحاجيات الغذائية والملابس والبضائع الأخرى من كماليات مثل أنواع الصياغة الذهبية والفضية وغيرها. وكان تجار البلاد يجوبون بلادًا خارجية لاستيراد السلع التجارية التي يحتاجها الناس، فكانوا يستوردون السكَّر والبن والهيل والقرنفل والفلفل والكركم وكل البضائع التي يطلبها السكان. وكانت البضائع الخارجية تأتي إلى القطيف أو البحرين أو العقير أو عن طريق بنادر الحجاز واليمن ثم تنقل بوساطة القوافل التجارية إلى المناطق الداخلية من بلاد الدولة السعودية الثانية.
العلاقات الخارجية للدولة السعودية الثانية
علاقتها مع بريطانيا.
ظلت علاقة الدولة السعودية الثانية بالقوى المحلية السياسية المجاورة لها، خاصة في مناطق الخليج، تتشابه إلى حد كبير مع علاقة الدولة السعودية الأولى بتلك القوى، إلا أن علاقة الدولة السعودية الثانية كانت أكثر وضوحًا مع الدول الكبرى، خاصة بريطانيا. فقد زار اللفتنانت كولونيل لويس بيلي البريطاني الرياض عاصمة الدولة السعودية الثانية في ربيع عام 1282هـ، 1865م. ومعروف جدًا أن رحلة بيلي الموظف البريطاني الرسمي في الخليج كانت تهدف في المقام الأول إلى خدمة بريطانيا وخدمة أغراضها ومصالحها في منطقة الخليج، حيث إن بريطانيا كانت تأتي في صدارة الدول الاستعمارية في هذه المنطقة. وظلت بريطانيا تتخوف كثيرًا من نمو القوة الفرنسية في الخليج ومناطق الشرق الأخرى.
شعرت بريطانيا أنها تجاور دولة وطنية محلية قوية، هي الدولة السعودية الثانية، خاصة في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية التي استمرَّت قرابة اثنين وعشرين عامًا. ولذا رأت بريطانيا عن طريق معتمدها البريطاني في الخليج ضرورة إيجاد نوع من العلاقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية التي تمتد حدودها إلى الخليج، ولها يد طولى وقوية على شيوخ المناطق الخليجية. وكان لا بد من ظهور بعض المشكلات السياسية بين الموظفين السعوديين الرسميين في مناطق الخليج وبين بريطانيا صاحبة النفوذ الواسع في تلك المنطقة. وكانت بريطانيا ترى أن تلك المشكلات لا يمكن حلها إلا عن طريق الاتصال المباشر بالإمام فيصل بن تركي الحاكم القوي والمؤثر الفاعل على رؤساء الساحل وشيوخه.
وثمة نقطة جديرة بالاهتمام وهي أن بريطانيا كانت تحاول كسب ود الدولة السعودية الثانية وقتذاك لتعمل قدر جهدها على إبعاد فرنسا عن الميدان بعد أن أحسَّت بالتحركات السياسية الفرنسية في المنطقة، خاصة عندما عرفت بالزيارة التي قام بها جيفورد وليم بيلجريف إلى داخل الجزيرة العربية عام 1280هـ، 1863م، أي قبل وفاة الإمام فيصل بن تركي بحوالي سنتين فقط، وقد تبين أن رحلته هذه كانت من إعداد الحكومة الفرنسية.
وبناءً عليه فإن رحلة لويس بيلي هذه كانت بمثابة فتح الباب بالنسبة للعلاقة السعودية البريطانية، فكانت بريطانيا تسعى للتعرف على نوايا الدولة السعودية الثانية تجاه عدد من القضايا من أهمها: 1ـ إيجاد علاقة صداقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية. 2ـ معرفة الحدود الشرقية للدولة السعودية الثانية. 3ـ معرفة القبائل الخليجية التي تعدّها الدولة السعودية الثانية من رعاياها. 4ـ معرفة الوحدات السياسية والقبائل الساحلية التي تدفع الزكاة للدولة السعودية الثانية.
وجدير بالذكر أن بيلي أدرج في تقريره الذي قدمه إلى حكومته قائمة بأسماء القبائل التي كانت تتبع الدولة السعودية الثانية، والقبائل الأخرى التي كانت تدفع الزكاة لها في منطقة الخليج. وقد ودّع بيلي المسؤولين في الرياض قائلاً: "إني لأرجو أن أغادر الرياض وأنا على مودة واتفاق مع الحكومة السعودية، وأن يكون هناك ما يبشر بإيجاد علاقة أكثر ودًا بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. وإني لأرجو أن تسمح لي الفرصة للقيام بخدمة ودية وغير رسمية من أجل تسوية العلاقات بين الرياض ومسقط".
ويذكر بيلي في تقريره أنه لم تجر أي مفاوضات بينه وبين الإمام فيصل بن تركي بشأن عقد أي معاهدة أو التوصل إلى تفاهم ما حول ذلك، وأن الإمام فيصل بن تركي أعرب له عند الوداع عن رغبته في أن يرجع بيلي إليه في حال وقوع حوادث سلب أو تحطيم أو إغراق للسفن البريطانية في ميناءي القطيف والعقير حتى يُنزل أشد العقوبات بالمعتدين. ويذكر بيلي أيضًا أن الإمام فيصل بن تركي كان قد ذكر له أن زيارته للرياض ستفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولة السعودية الثانية وبريطانيا.
علاقة الدولة مع فرنسا.
كانت علاقة الدولة السعودية الثانية مع فرنسا أضعف من العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. والواقع أن نابليون الثالث إمبراطور فرنسا كان مهتمًا كثيرًا بمعرفة أخبار جزيرة العرب، بالإضافة إلى حاجته لشراء خيول من أصول عربية لجنوده الخيالة، وقد عثر نابليون الثالث على جيفورد وليم بيلجريف الرحالة الإنجليزي المشهور الذي عمل في بداية حياته ضابطًا بالجيش الإنجليزي في الهند، وكان يتقن العربية، عثر عليه وهو يخطط للقيام برحلة إلى الجزيرة العربية ليطلع على حقيقة أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد رأى نابليون الثالث بثاقب بصره أن يفيد من هذا الرحالة الإنجليزي، ويحوِّل نتائج رحلته ودراسته لحساب السياسة الفرنسية. كما جاء قبل بيلجريف بخمسين سنة، باديا إي لبلخ الذي أطلق على نفسه اسم علي بك، وهو أسباني الأصل، زار الجزيرة العربية وكان يعمل في السر جاسوسًا للإمبراطور نابليون الأول عم الإمبراطور نابليون الثالث.
ومن هذا فإن فرنسا كانت ترغب في قيام علاقات ودية مع الدولة السعودية الثانية أقوى الدول المحلية الوطنية في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. وكانت فرنسا قد أعدت مخططًا سياسيًا واسعًا لمد نفوذها في مناطق الشرق من أجل ضرب النفوذ الاستعماري البريطاني في المنطقة. ولذا فقد تركزت السياسة الفرنسية على مبدأ استراتيجية الوصول إلى الهند في الشرق عن طريق ضمان البحار الداخلية والسواحل والمنافذ في الجزيرة العربية. وهذا الأمر يوضح سر التنافس والعلاقة السيئة القائمة بين بريطانيا وفرنسا. والواقع أن بيلجريف لم يحقق لفرنسا أي نوع من الاتصالات أو الاتفاقات بينها وبين الدولة السعودية الثانية، بل على العكس تمامًا فقد اكتشف المسؤولون السعوديون في الدولة السعودية الثانية أن بيلجريف جاسوس وعميل لدولة أجنبية، فطردوه من البلاد. وبناءً عليه فإن الاتصال البريطاني الرسمي بالدولة السعودية الثانية ظل يختلف عن الأسلوب الذي اتخذته فرنسا للاتصال بالدولة السعودية الثانية، ولم يكن هذا الأسلوب موفقًا أبدًا.
ويشير تقرير بيلي إلى أنه استفسر من الإمام فيصل بن تركي عن علاقة الدولة السعودية الثانية بدولة فرنسا. وكان جواب الإمام "أنه من قبل بضع سنين تسلم رسالة من سفينة فرنسية تتعهد فرنسا في تلك الرسالة بتقديم المساعدة له عند الحاجة عن طريق البحر". ويقول الإمام السعودي "إنني تلقيت رسالة أخرى مماثلة تطلب مني إرسال الرد إلى القنصل الفرنسي في دمشق. وكان ردي على الرسالتين بالشكر والامتنان، وعبرت في ردي على الحكومة الفرنسية بأنني لا أحتاج في الوقت الحاضر إلى أي مساعدة".
وهكذا انتهت الدولة السعودية الثانية، وانتهى معها الدور السعودي الثاني الذي اتصف في مطلعه بعهد من الفوضى والاضطراب اللذين سادا الجو السياسي والاجتماعي والاقتصادي في بلاد نجد وأثر ذلك إلى حد كبير على البلاد المحيطة بنجد. وصادف الدور الثاني من أدوار التاريخ السعودي بروز حركة محمد علي باشا الاستقلالية مما أثر على سير الحوادث في نجد خاصة وبلاد الجزيرة العربية عامة. فقد ساهم هذا الحدث التاريخي في تأخير تكوين الدولة السعودية الثانية المستقرة. وبعد زوال نفوذ محمد علي باشا من الجزيرة العربية على أثر تطبيق معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، تهيأت الأسباب الحقيقية لتثبيت جذور الحكم السعودي، وبناء الدولة السعودية الثانية في جو من السلام والأمن والاستقرار النسبي، وقد صادف ذلك عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية. ولم يدم هذا الاستقرار والأمن والسلام طول فترة هذا الدور بل اعترت الدولة السعودية الثانية حالة من الفوضى والاضطراب التي عادت إلى البلاد بسبب الفتنة الأهلية التي نشبت بين الإمام عبد الله بن فيصل وأخيه الأمير سعود بن فيصل، مما أدّى إلى تقويض دعائم الحكم السعودي، وبالتالي سقوط الدولة السعودية الثانية ليحل مكانها حكم آل رشيد في نجد. وعلى الرغم من سقوط الدولة السعودية الثانية لأسباب داخلية عصفت بها، إلا أنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الحديثة التي هي وريثة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، وهو أمر سيرد ذكره في قيام الدولة السعودية الثالثة.

الدولة السعودية الثالثة

مسيرة جيش الملك عبدالعزيز
في عام 1329هـ ، 1911م.
الدولة السعودية الثالثة
بدأت في الخامس من شوال 1319هـ، 15 يناير 1902م، وبدأ مؤسسها الملك عبدالعزيز في توحيد البلاد في إطار دولة سعودية حديثة تعيد المناطق والأقاليم التي كانت تابعة للدولة السعودية الأولى والثانية. لقدكانت نهاية الدولة السعودية الثانية مفجعة حقًا لأنها تآكلت تدريجيًا من داخلها. فكانت قبل هذا التآكل هرماً شامخًا في كيانها السياسي في الجزيرة العربية في عهد واحد من أعظم أئمتها وأقواهم الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية، إلا أن هذا الهرم الكبير أخذ في التآكل والتصدع نتيجة لعدة عوامل داخلية، تأتي الفتنة المحلية التي أعقبت عهد هذا الإمام في مقدمتها. وكانت النتيجة الحتمية سقوط تلك الدولة بعد أن تفسخت مناطقها، فاجتاح العثمانيون منطقة الأحساء، واجتاح آل رشيد كل البلاد النجدية، فأنهى آل رشيد حكم آل سعود في كل نجد، مع أن إمارة آل رشيد قد نشأت وتأسست بأمر من الإمام فيصل بن تركي ودعمه ومساعدته لصديقه الحميم عبدالله بن رشيد حين عينه أميراً على جبل شمر. ومنذ ذلك العهد والإمارة الرشيدية قائمة، تلك الإمارة التي قوضت دعائم الحكم السعوديّ في نجد ثُمَّ أسقطته في عهد الإمام عبدالرحمن بن فيصل آخر أئمة الدولة السعودية الثانية.
آل سعود في الكويت
رحل الإمام عبدالرحمن بن فيصل مع أسرته عن نجد واستقر به المطاف ليعيش في الكويت في عهد أميرها الشيخ محمد آل صباح الذي أوعزت إليه الدولة العثمانية بأن يمنح آل سعود حق الإقامة في الكويت. وهنا يتضح موقف الدولة العثمانية من آل سعود بعد سقوط دولتهم الثانية، فهي ترى تحديد إقامتهم وتحركاتهم خوفاً من إثارة القلاقل والدسائس ضد أصدقائها آل رشيد، حتى أن الدولة العثمانية خصصت للإمام عبدالرحمن بن فيصل وأسرته راتبًا شهرياً قدره ستون ليرة عثمانية، قليلاً ما كانت تدفع له بشكل منتظم.
تحركات سياسية.
أفاد آل سعود كثيراً من إقامتهم في الكويت وقتذاك، ومنها بدأت تحركاتهم السياسية وغير السياسية لاستعادة أمجاد حكمهم الذي فقدوه. وأكدت الدولة العثمانية لآل صباح أن آل سعود قوة لايستهان بها في حال بروز أطماع محمد بن رشيد، أو محاولته الاستقلال عن الدولة العلية، أو الاتصال بالقوى السياسية الأجنبية ذات السيادة في الخليج.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أواصر العلاقة الطيبة كانت قد توطدت بين آل سعود والشيخ مبارك الصباح، خاصة علاقة هذا الشيخ بالفتى السعودي عبدالعزيز آل سعود، فقيل إن الشيخ مبارك الصباح طوق الأمير السعودي الفتى بذراعيه. وحاول أن يستغل قدرات آل سعود وأمجادهم التاريخية في ضرب عدوه وخصمه ابن رشيد، خاصة بعد أن تخلص مبارك من أخويه محمد الصباح وجراح الصباح، فقد توتَّرت العلاقة بين مبارك الصباح وعبدالعزيز ابن متعب بن رشيد، خاصة وأن مبارك يساعد آل سعود الذين يقيمون في بلاده. ومعروف أن تصادماً حدث بين جماعات آل رشيد وجماعات آل صباح حتى إن غارات ابن رشيد وصلت إلى حدود العراق وتصدى لها الشيخ سعدون باشا أبو عجيمي رئيس قبائل المنتفق الذي كان يؤيد موقف الشيخ مبارك ضد آل رشيد.
ولاء المجتمع النجدي لآل سعود.
فقد آل سعود سلطتهم في نجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية في أعقاب سقوط الدولة السعودية الثانية إلاّ أنّ مقومات قيام الدولة السعودية الثالثة ظلت موجودة، لكنها خامدة تحتاج إلى من يحركها. فظل الولاء في نجد يزداد بشكل تدريجي لآل سعود وهم في الغربة والمنفى، خاصة كلما شعروا بسوء إدارة آل رشيد وشدتهم في التعامل مع المجتمع النجدي. وظل عدد كبير من أهالي نجد يرون بأن الحكم السعودي حكم نجدي محلي في المقام الأول، وأن آل سعود هم رمز للاستقلال الوطني ولابد من دعمهم ومؤازرتهم، خاصة عندما تأكدوا من تبعية آل رشيد للدولة العثمانية وولائهم لها، وهي الدولة التي قادت ضد نجد حملات عسكرية كثيرة أساءت كثيراً إلى علاقة تلك الدولة بسكان نجد وغيرها من أقاليم الجزيرة العربية الأخرى.
موحِّد الجزيرة العربية
الملك عبدالعزيز آل سعود غفر الله له، عام 1910م. شخصية الملك عبدالعزيز ومؤهلاته القيادية.
صحب عبدالعزيز والده الإمام عبدالرحمن الفيصل في خروجه من نجد وإقامته فترة في الصحراء ثم استقراره في الكويت، فأورثته خشونة العيش تقشفًا وجلدًا وصبرًا على المكاره، ظهر ذلك واضحًا أثناء جهاده وحروبه وفي تعامله مع الناس والأحداث، كما استفاد من إقامته في الكويت ما يزيد عن عشر سنين في مستهل شبابه اطلاعًا واسعًا على أساليب السياسة الدولية وأهدافها، حيث كانت الكويت محط السياسة والدبلوماسية العالمية، والتنافس الدولي كان على أشده في تلك الحقبة في الخليج، فألمانيا تريد أن تكون الكويت آخر محطة في سكة حديد برلين ـ بغداد، وروسيا القيصرية تزاحم ألمانيا في هذا المجال وتحاول الوصول إلى المياه الدافئة، وبريطانيا صاحبة اليد الطولى في منطقة الخليج، وفرنسا تنافس بريطانيا وغيرها في المجالات الاستعمارية وخاصة الملاحة والتجارة والبحث عن المواد الخام والأسواق لبيع منتجاتها، والدولة العثمانية تنهج سياسة تقوية قبضتها على البلاد العربية وتحاول جادة تثبيت سلطاتها في مناطق الخليج.
وعندما بدأ عبدالعزيز جهاده لاستعادة ملك آبائه وأجداده وإقامة دولة إسلامية توحد معظم مناطق الجزيرة العربية، وتؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهجًا وتطبق أحكام الإسلام في شؤونها كافة ـ عندما بدأ كانت لديه من الصفات الشخصية والخلقية والمؤهلات القيادية ما لا يتسع المجال للحديث عنه بإيجاز فضلاً عن ذكرها بالتفصيل ولكن نكتفي بالإشارة إلى أبرز هذه الصفات والمؤهلات:
تمسكه بدينه. وذلك بإيمانه بربه، وصفاء عقيدته، وأدائه لجميع الشعائر الدينية، وتطبيقه لأحكامه وخوفه ورجائه من الله.
سخاؤه وكرمه. الحديث عن كرم عبدالعزيز وسخائه مهما أفيض فيه فهو أقل كثيرًا مما هو معروف عن جوده وكرمه، والأمثلة على ذلك كثيرة، ونكتفي بذكر الموقف التالي: عندما دخل عنيزة ـ في منطقة القصيم ـ في محرم عام 1322هـ، مارس 1904م كان مدعوًّا في منزل أحد وجهاء عنيزة (عبدالرحمن بن محمد آل حماد العبدلي) وكان المجلس يضم مجموعة من خاصة رجاله ونخبة من أعيان البلاد، ودار الحديث حول ما منّ الله به على البلاد من ظهور عبدالعزيز وتوحيد معظم بلاد نجد تحت قيادته، وسأله أحدهم: عمّا إذا كانت له في تلك اللحظة أمنية شخصية، وتوقع الحاضرون منه ـ وهو في هذا السن ويعيش نشوة النصر ـ أن يتمنى الزواج من فتاة جميلة، فكان ردّه أنه يتمنى أن لديه مبلغًا من المال، لا ليدخره وإنما ليوزعه على (خوياه) ورجاله ورفاقه، فما كان من العبدلي إلا أن أقرضه المال الذي تمناه، فقام عبدالعزيز بتفريقه على أصحابه ولم يبق لنفسه أو لأسرته شيئًا.
ويتضح من هذا النموذج من جود الملك عبدالعزيز وكرمه أنه إذا كانت هذه حاله وهو معسر فمن المتوقع أن يبلغ سخاؤه منتهى مراتب الجود والكرم إذا كان موسرًا وهو ما حدث فعلاً.
شجاعته وفروسيته. شجاعة الملك عبدالعزيز شجاعة المتزن المفكر لا شجاعة المتهور، شجاعة القائد العسكري الموهوب الذي يستطيع أن يملك مواهبه ويسيطر عليها، فلا يفقد أعصابه ويغامر مغامرة انتحارية يدفع فيها حياته وحياة رجاله رخيصة بلا ثمن ولا يتخلى عن خوض المعركة ـ إذا كان عدوّه يفوقه عددًا أو عدة ـ فيبدو خائر الأعصاب من الرجال، يائسًا من النصر وإنما يقوم واثقًا بربه، مدافعًا عن عقيدته، ساعيًا إلى تحقيق أهدافه، فلم تقف شجاعته النفسية والبدنية عند مغامرته البطولية في فتح الرياض، وما كان ليقوم بذلك وبجهاده في توحيد المملكة لو لم يكن محاربًا من الدرجة الأولى.
وهناك قصص كثيرة عن شجاعته المتزنة التي تبرز عند الحاجة مثلما حدث في معركة (الدلم) 1320هـ، 1902م ومعركة (كنزان) 1333هـ، 1915م، وقد خاض أكثر من مائة معركة، ولما توفي وجدوا في جسده ثلاثًا وأربعين ندبة وأثر جرح.
دهاؤه وذكاؤه وحنكته. الحديث في هذا الموضوع يطول، فمن ذلك مواقفه في المؤتمرات التي تعقد بينه وبين ممثلي الدول الأخرى وعلى سبيل المثال تصرفه في مؤتمر الصبيحية، والعبقرية التي عالج بها الموقف، ومما يدل على حنكته وبعد نظره إدراكه منذ البداية أنه لا يخطط لمعركة واحدة تنتهي بنهايتها سيرته سلبًا أو إيجابًا، بل كان يخطط لحكم واسع مستمر، ولذا كان يتفادى الحرب ـ ما أمكن ـ ويفضل أن يكسب الآخرين بدونها بدلاً من أن يحاربهم لينتصر عليهم، ولم تكن هذه السياسة ناتجة عن رغبته في حقن دماء من ناصروه فقط، بل رغبته ـ أيضًا ـ في الإبقاء على أرواح من كانوا ـ لظروف خاصة ـ مع خصومه، لإدراكه أنه سيكسب هؤلاء ـ كما كسب أنصاره الأوائل ـ عاجلاً أو آجلاً، وأن كلاً من هؤلاء وأولئك سيصبحون شعبه المرتقب، إضافة إلى اصطناعه الرجال الذين لم يكونوا في يوم من الأيام على وفاق معه.
رصيده من الخبرة والمجد.
سبقت الإشارة إلى خروج الملك عبدالعزيز من نجد مع والده وهو في سن مبكرة وإقامته معه في الصحراء، ثم استقرار الأسرة في الكويت فأورثته حياة الصحراء الصبر والجد وتحمل المكاره، وقد ترجم هذه العوامل إلى كياسة في تعامله مع الناس، ودهاء وحكمة في مواجهة المواقف والأحداث، وأثناء استقراره في الكويت التي كانت مسرحًا للتنافس الدولي مما جعلها مدرسة من مدارس السياسة العالمية، درس فيها عبدالعزيز الأساليب الدبلوماسية وأفاد منها كما أفاد من دهاء الشيخ مبارك الصباح ودرايته في مجال السياسة في الخليج وفي العالم.
كما استطاع بخبرته أن يعيد صياغة الواقع الذي تعامل معه دون إهدار لأصوله ومكوناته، وأن يطور عناصره القادرة على العطاء والاستجابة لتواكب طموحاته، وتلبي متطلبات الحياة الجديدة.
أما رصيده من المجد والفخار فإنه عندما بدأ خطواته الأولى لتوحيد هذه البلاد كان نصب عينيه حكم ضربت جذوره في أعماق التاريخ، وإرث من المجد تمثل فيما حققه أسلافه من آل سعود من وحدة لهذه البلاد في ظل دولة تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهجًا للحكم، وتنشر العقيدة الإسلامية الصافية وتدافع عنها، لكن هذا الإنجاز ضاع في خضم التنافس والضعف والتفريط.
لذا كان من أهم أهدافه الأساسية استعادة هذه الأمجاد والمحافظة عليها، ومن ثم فقد أفنى ـ رحمه الله ـ زهرة شبابه ـ وسني كهولته وأعوام رجولته في الكفاح حتى استطاع أن يعيد هذه الأمجاد ويعمقها ويضيف إليها، فبنى دولة موحدة قوية على أسس من العقيدة والشريعة توافرت لها كل مقومات الدولة العصرية، وتحقق لها من الرخاء والأمن والاستقرار ما أصبح مضرب الأمثال في العالم.
رحم الله الملك عبدالعزيز وغفر له، فقد كان نموذجًا فريدًا في شخصيته وفكره وعبقريته السياسية والعسكرية ونمطًا متميزًا في القيادة والحكم والإدارة.
موقعة الصريف.
لم يقف الأمير عبدالعزيز بن متعب آل رشيد موقفاً ضعيفا تجاه مناورات الشيخ مبارك الصباح، بل ظل يعد شيوخ الكويت قوة محلية معادية له، حتى إن العثمانيين أنفسهم ظلوا يتشككون في ولاء آل الصباح تجاههم، وشعروا أنهم أقرب إلى بريطانيا منهم، خاصة وأن بريطانيا تمثل القوة الأكثر تأثيراً من غيرها في منطقة الخليج. وكان الشيخ مبارك الصباح يقدر هذا الأمر، ويفهمه حق الفهم، فاعتبر الحماية البريطانية لمشيخته هي خير وسيلة للمحافظة على حكمه وحمايته من تدخل القوى المحلية المجاورة لإمارته، التي لها أطماع فيها. وهو في الوقت نفسه يقدر ضعف التأثير العثماني وقتذاك على السياسة الدولية.
كثرت تجاوزات ابن رشيد ضد الكويت التي ترعى شؤون آل سعود وتدعمهم ضده، إلى حد أنه طمع في احتلال الكويت وإنهاء حكم آل الصباح فيها. وكان عبدالعزيز آل رشيد شخصية قيادية، ويعتز بقوته ونفوذه، وهو أمر من بين الأمور التي أدت بالشيخ مبارك الصباح إلى طلب الحماية البريطانية، فوافقت بريطانيا على ذلك ووقعت معه معاهدة الحماية في رمضان 1316هـ، الموافق 23 يناير 1899م.
ازدادت الأوضاع سوءًا بين الشيخ مبارك وآل سعود وبين ابن رشيد. فسار الشيخ مبارك الصباح ومعه الإمام عبدالرحمن بن فيصل وابنه الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لمحاربة ابن رشيد في نجد في عقر داره، وقد أيد الإمام عبدالرحمن مثل هذه التدخلات في شؤون نجد علها تكون فرصة مواتية لإعادة ملك آل سعود هناك، خاصة وأنه ظهرت في بلدان نجد قوة نجدية تعمل بكل طاقاتها وقدراتها على زعزعة نفوذ آل رشيد في نجد، هذه الفئة المتوارية والمؤيدة لآل سعود هي التي كانت ترسل الأخبار عن أوضاع نجد أولاً بأول إلى الإمام عبدالرحمن بن فيصل في الكويت، وهذه الفئة نفسها كانت قد أدت دورها السري، وكان لها دور غير منظور في عملية استرداد الرياض عام 1319هـ، 1902م.
حقق آل الصباح وآل سعود نجاحات محدودة في حملتهم المشتركة ضد ابن رشيد، فقطعوا بجيشهم الدهناء وتقدموا في الأراضي النجدية ودخلوا بعض القرى والبلدان دون قتال؛ لأن الناس فيها كانوا قد عرفوا الصلة الكبيرة بين آل صباح وآل سعود، وما هذه التحركات إلا محاولة من محاولات إضعاف نفوذ آل رشيد، وبالتالي محاولة من محاولات عودة السلطة والسيادة السعودية على نجد. أما عبدالعزيز بن رشيد فظل يظهر غير مايبطن، فتظاهر بالتقهقر مستدرجاً القوات الكويتية، وأخيراً باغتها بهجوم قوي تمكن فيه من إلحاق هزيمة كبيرة بالشيخ مبارك الصباح في موضع يعرف بالصريف قرب بريدة إلى الشمال منها عام 1318هـ، المو افق 1901م. وتُعد هذه الهزيمة ومالحق بها من خسائر كبيرة بالنسبة للجانب الكويتي، من بين الأسباب التي جعلت الشيخ مبارك الصباح يعدل عن التفكير في الهجوم على نجد مرة أخرى، إذ تسربت الأخبار من الكويت عن نية الشيخ مبارك الصباح في الانتقام من ابن رشيد مهما كلفه الثمن، لكنَّ الشيخ مباركًا عدل عن تحدياته هذه بسبب كبر حجم الخسائر التي منيت بها قواته في وقعة الصريف، وبسبب الضغط الذي مارسته بريطانيا على صديقها الشيخ مبارك في وقف تحرشاته ضد آل رشيد، وفي تفاهمها مع الدولة العثمانية حول كبح جماح صديقها وتابعها ابن رشيد وتعدياته على الكويت ومناطق المنتفق.
عللت المصادر التاريخية سبب انهزام قوات آل صباح في الصريف بالعوامل التالية:
1ـ زهو الشيخ مبارك وغروره بنفسه وقوته.
2ـ لم يقدر الشيخ مبارك حجم قوة عدوه ابن رشيد.
3ـ كانت معظم قوات الكويت من المحاربين غير المدربين.
4ـ لم يكن جيش آل الصباح كله مجنداً في الوقعة، بل كان جزء منه قد توجه صوب الرياض، وتركز الجزء الأكبر منه باتجاه القصيم بقيادة مبارك الصباح.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود كان قد استأذن من الشيخ مبارك ووالده عبدالرحمن بالتوجه صوب الرياض ومحاولة الاستيلاء عليها، فأذن له الشيخ مبارك ووالده عبدالرحمن، فتوجه إلى الرياض مع بعض القوات، واتجه بها إلى الرياض فدخلها بغتة، فلجأت حاميتها إلى الحصن وتحرزت به. فحاصرها عبدالعزيز قرابة أربعة أشهر، وقرر إرغامها على التسليم بهدم جانب من الحصن، ولكن هزيمة الشيخ مبارك ومن معه في الصريف جعلت عبدالعزيز ينسحب ويخلي الرياض ويعود إلى الكويت، وقد أفادته هذه المحاولة خبرة جديدة، وزادت معرفته بالرياض وأهلها، وعرف مدى استجابتهم لعودة حكم آل سعود، وكرههم لسيطرتهم آل رشيد فأحيت في نفسه الآمال وقوت رجاءه بربه في إمكان استعادة ملك آل سعود.
تأسيس الدولة السعودية الثالثة محاولة استرداد الرياض.
خرج الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود على رأس حملة صغيرة من ستين رجلاً من أقاربه والمؤيدين لمشروعه الكبير الرامي إلى إعادة ملك آل سعود ليس في نجد فقط، وإنما في كل البلاد التي كانت قبل ذلك تشكل جزءًا من أجزاء الدولتين السعوديتين الأولى والثانية.
اتجه الأمير عبدالعزيز آل سعود ومن معه صوب الرياض. وأقام الأمير وقوته الصغيرة فترة قصيرة في يبرين وهي واحة على أطراف الربع الخالي في رجب عام 1319هـ، الموافق أكتوبر 1901م. وكان الأمير عبدالعزيز آل سعود قد وضع خطة عسكرية لدخول الرياض واستردادها من قوات ابن رشيد، فقد وضع نصب عينه ألا يلتقي مواجهة مع قوات ابن رشيد التي تفوق قواته عدداً وعتاداً وتدريباً. وقرر أن يكون تزود قواته من البلدان والقرى التي يمر بها أو يصل بالقرب منها، لأن قواته قليلة العدد من جهة، وليس لديها وسائل نقل من الإبل كافية لحمل الزاد الكثير والمعدات والعتاد، ولو فعل ذلك لربما انكشف أمره لابن رشيد. واعتمدت خطة عبدالعزيز على أسلوب المباغتة في الحرب وعلى عنصر السرعة في الأداء بالإضافة إلى التحرك في الليل والنوم والاختفاء وقت النهار حتى لاينكشف أمره فتضيع الفرصة الذهبية منه.
خطة الهجوم.
لما وصل عبدالعزيز قرب الرياض وضع خطة للهجوم، فقسم قواته إلى ثلاثة أقسام: قوة احتياطية من عشرين رجلاً تكون على مسافة قريبة من مركز الرياض أو الحصن أو القلعة التي تقيم فيها حامية ابن رشيد بقيادة عجلان عامل الأمير عبدالعزيز بن متعب آل رشيد. وجماعة أخرى من قواته تكون تحت قيادة أخيه محمد بن عبدالرحمن آل سعود وقد اختفت في إحدى مزارع النخيل القريبة من الحصن، وهي نخيل الشمسية. وأما الجماعة الثالثة فتكون تحت قيادة الأمير عبدالعزيز آل سعود نفسه، وهي رأس الحربة بالنسبة للقوات السعودية. واستطاعت هذه القوة الصغيرة أن تتسلق السور في الظلام. وأن تنصب كميناً على مقربة من باب الحصن منتظرين عجلان الذي صادف أنه كان قد نام في الحصن بالمصمك عند الحامية. وفي الصباح خرج عجلان من الحصن وفوجئ بهجوم مباغت من عبدالعزيز آل سعود، وحاول الهرب داخل قصر المصمك فرماه الأمير عبدالله بن جلوي آل سعود بضربة قاتلة؛ واستسلمت الحامية بعد مقتل أميرها عجلان، ونادى المنادي بأن الملك للّه ثم لعبدالعزيز آل سعود. وبايع أهل الرياض الأمير عبدالعزيز آل سعود بالحكم، وقد تم ذلك في يوم 5 شوال عام 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902م.
ويعدّ نجاح هذه المحاولة بداية حقيقية لتأسيس الدولة السعودية الثالثة (الحديثة)، ومنها تبدأ عملية توحيد البلاد في إطار دولة سعودية حديثة تعيد المناطق والأقاليم التي كانت تابعه للدولة السعودية الأولى والثانية. لقد كانت هذه المحاولة محاولة جادة وصعبة جداً، وهي مغامرة يحسب لها كل حساب لأن نجاحها غير مضمون ولامتوقع. ولذا وصفها الكاتب كنث وليمز بأنها طريقة تدل على براعة فائقة وحذق مدهش. ويصفها فؤاد حمزة بأنها من أروع قصص البطولة وأعظمها شأنًا وأجلها قدراً. ويصفها حافظ وهبة بأنها قصة تشبه قصص أبطال اليونان، وترينا عظم الأخطار التي أحاطت بابن سعود.
توحيد البلاد النجدية
بدأ عبدالعزيز آل سعود يوجه اهتمامه إلى مناطق جنوب الرياض، خاصة وأن هذه المناطق كانت تكن ولاءً لآل سعود، وهي تلك المناطق التي ظلت تشكل ملاذًا آمنًا لآل سعود وآل الشيخ يوم أن كانت تداهمهم الحملات العثمانية المصرية الموجهة ضدهم. وهم أيضًا الذين قاتلوا إسماعيل بيك وخالد بن سعود بالفؤوس عندما قررا تأديبهم والانتقام منهم لأنهم يؤوون آل سعود وآل الشيخ وأتباعهم.
قرر الأمير عبدالعزيز آل سعود تأمين خطوطه الدفاعية لينطلق بعد ذلك للهجوم على عدوه ابن رشيد. فأراد توحيد مناطق الجنوب مع المركز الرياض ليضمن قيام جبهة قوية تدعم موقفه وتقويه ضد آل رشيد الذين مازالوا يسيطرون على معظم مناطق نجد. وقد التقى عبدالعزيز آل سعود بقوات عبدالعزيز بن متعب آل رشيد في بلدة الدلم قرب بلدة الخرج، وكان النصر فيها حليف عبدالعزيز آل سعود وقواته، وسهل هذا النصر الطريق أمام عودة جميع البلدان والقرى الواقعة إلى الجنوب من الرياض إلى الدولة السعودية الثالثة، وبالفعل فقد دانت له تلك المناطق بولائها وتأييدها لمشروعه التوحيدي الذي سيقضي على الفوضى والاضطراب الذي ساد البلاد أثناء غياب الدولة السعودية. وهكذا توسعت رقعة الدولة السعودية الثالثة، وازداد عدد أتباعها، وازدادت مع هذا كله اقتصاديات الدولة الناشئة، فقوي بذلك كيانها وسيادتها.
وجه عبدالعزيز آل سعود جهوده التوحيدية صوب مناطق شمالي الرياض كي يدعم كيان دولته، ويبعد قوة ابن رشيد وتأثيره عن المناطق التي وحدها إلى الدولة السعودية الثالثة. فدخل بلدة شقراء أكبر بلدان الوشم ثم ثرمداء ويكون بذلك قد وحد إقليم الوشم مع مناطق دولته بعد مناوشات مع قوات ابن رشيد لم تصل إلى حد المعارك والوقعات الفاصلة أو الحاسمة، وهو ماسنراه في المعارك التي دارت رحاها بين عبدالعزيز آل سعود وابن رشيد.
حصون المنطقة الشمالية،
ومنها حائل وشنانة التي فتحها الملك عبدالعزيز بعد أن ضم منطقة الحجاز. الملك عبدالعزيز يواصل جهاده.
واستمر عبدالعزيز آل سعود في زحفه باتجاه منطقة سدير، واستطاع إعادة معظم بلدان المنطقة وقراها إلى الدولة السعودية، عدا المجمعة ـ قاعدة الإقليم ـ فقد امتنعت عليه بعض الوقت، حيث كانت مقر حاكم المنطقة من قبل آل رشيد ثم انضوت تحت لوائه. وهكذا نلحظ أن الدولة السعودية الثالثة أخذت تتوسع تدريجياً في المناطق النجدية الواقعة شمالي الرياض، أو في المناطق المعروفة بوسط نجد. وأصبحت الدولة السعودية الثالثة في حدودها الحالية تتاخم حدود منطقة القصيم التي كانت لم تزل تحت سيادة ابن رشيد. وبناءً عليه فإن عبدالعزيز آل سعود أخذ يضع الخطط العسكرية لضمِّ منطقة القصيم إلى دولته، كي يتمكن بذلك من توسيع حدود دولته من جهة، وتوفير المقومات الاقتصادية الضرورية للدولة من جهة أخرى، ومعروف أن القصيم منطقة زراعية ممتازة، وفيها مراكز تجارية مشهورة، وهي منطقة مهمة أيضا لأن قوافل التجارة والحجيج تمر بها، هكذا يكون عبدالعزيز آل سعود قد وحّد المناطق الواقعة شمال الرياض وجنوبها في مدة لاتتجاوز السنتين فقط من دخوله الرياض، عاصمة دولته، وهي مدة قصيرة فعلاً ولها مدلولاتها، وهي أن ولاء تلك المناطق لآل سعود يُعدّ ولاءً كاملاً ومتأصلاً، وبالمقابل فإن الكثير من أهالي تلك البلدان لم يكونوا راضين عن أسلوب حكم عبدالعزيز ابن متعب آل رشيد، فبدأوا يتطلعون إلى الخلاص من حكمه، فوجدوا في ظهور القوة السعودية بقيادة عبدالعزيز آل سعود فرصة مواتية لذلك.
أراد عبدالعزيز آل سعود ضمَ بلدان القصيم إلى دولته. فقابل سرية لابن رشيد بقيادة حسين بن جراد في نفود السر قرب الفيضة، فانهزمت قوات ابن رشيد وقتل ابن جراد وكثير من أتباعه وكان ذلك عام 1321هـ، الموافق 1904م، وتعد هذه الوقعة على الرغم من صغرها، وقعة في صالح عبدالعزيز آل سعود لأنها مهدت الطريق أمامه لتوحيد بلدان منطقة القصيم وضمها إلى دولته الناشئة.
عزم عبدالعزيز آل سعود عام 1321هـ، 1904م على إنهاء الوجود الرشيدي في منطقة القصيم، وقد أعد العدة لذلك بمساعدة الأسر التي كانت تحكم البلاد قبل استيلاء آل رشيد عليها. فتوجه بقواته صوب عنيزة ودخل القصر المعروف بقصر الحميدية، وهو يبعد عن عنيزة مسافة أربع ساعات مشياً على الأقدام أو ركوباً على الإبل. وبعد ذلك حاصر حامية ابن رشيد في عنيزة، وكانت تحت قيادة فهيد السبهان، ولما رفض فهيد السبهان الاستسلام هاجمت قوات عبدالعزيز آل سعود حاميته، وقتلته ودخلت قوات عبدالعزيز آل سعود عنيزة في 5 محرم عام 1322هـ، الموافق 13 مارس 1904م. ثم هاجم عبدالعزيز آل سعود حامية ابن رشيد في بريدة التي رفضت الاستسلام في مطلع الأمر، ولكنها اضطرت إليه في ربيع الأول عام 1322هـ، الموافق مارس 1904م.
لم يقف عبدالعزيز آل رشيد موقف المتفرج على ما أحرزه عبدالعزيز آل سعود من انتصارات في القصيم. فجهز قواته مدعوماً بقوات عثمانية تركية وعتاد تركي ومعونات مالية تركية وقابل القوات السعودية في سهل البكيرية في بلدة البكيريّة من بلدان القصيم. ونشبت المعركة بين الطرفين في ليلة الأول من ربيع الآخر عام 1322هـ، (ليلة 15 يونيو عام 1904م). ولظروف فنية وتخطيطية ضاعت بعض القوات السعودية وأخطأت هدفها وخطتها العسكرية في الهجوم على القوات العثمانية التركية، ووجدت نفسها وراء خيام شمّر، ودارت بينهم وبين قوات ابن رشيد اشتباكات، مما أربك؛ موقف عبدالعزيز آل سعود الذي انسل من الوقعة مع بعض فرسانه بعد أن أصيب بشظايا قنبلة، فانهزمت القوات السعودية وقتل منها في تلك الوقعة حوالي 1,000 رجل، وقتل من الجند العثمانيّ النظامي حوالي 1,000 رجل، وقتل من الشمرّيين حوالي 300 رجل بينهم اثنان من آل رشيد حكام الجبل. ولكن عبدالعزيز آل سعود على الرغم من تشتت شمل قواته، وضياع فريق منها، تمكن من جمع قوات سعودية قدرت بعشرة آلاف مقاتل في غضون عشرة أيام فقط، وزحف صوب قوات ابن رشيد لقتالها، وكانت تلك القوات في بلدة الشنانة. فتقدم عبدالعزيز آل سعود بقواته إلى بلدة الرس، ومنها أخذ يهاجم قوات ابن رشيد على شكل متقطع لمعرفة مدى قوتها وتحصينها وإعدادها، وهو أسلوب من أساليب إضعاف العدو مادام هذا العدو في وضع المدافع، وقد طالت تلك المناوشات دون أن يلتقي الجيشان في وقعة مباشرة كبيرة.
قرر ابن رشيد التراجع إلى المواقع الخلفية ففاجأته القوات السعودية بكل إمكاناتها، فانتصرت عليه في وقعة الشنانة في 18 رجب عام 1322هـ ، الموافق 29 سبتمبر 1904م. وتعد وقعة الشنانة من المعارك الحاسمة والفاصلة بين القوات السعودية والقوات الرشيدية، إذ تمكن عبدالعزيز آل سعود من تركيز سلطته في بلاد نجد، وأظهر للجميع أنه الحاكم الفعلي لنجد، خاصة بالنسبة للدولة العثمانية التركية التي فتحت باب المحادثات معه، والدولة البريطانية التي ظلت تراقب الحوادث في قلب الجزيرة العربية وهي في الوقت نفسه تعرف تاريخ الدولة السعودية ولها معها أكثر من اتصال حول مسائل كثيرة تهم المناطق الخليجية.
وتعد وقعة الشنانة بداية النهاية للوجود العسكري العثماني التركي في نجد. كما تُعد بداية النهاية للإمارة الرشيدية في نجد، إذ بعد هذه الوقعة امتدت الدولة السعودية الثالثة لتشمل كل بلدان القصيم، وتراجعت قوات ابن رشيد باتجاه جبل شمّر، فتكون بذلك قد انحصرت في منطقة محدودة الاتساع والسكان والطاقات الاقتصادية.
الدولة السعودية الثالثة تثبت أركانها.
استغل ابن رشيد فرصة غياب عبدالعزيز آل سعود عن القصيم، وذهابه إلى قطر لنجدة شيخها قاسم بن ثاني ضد خصومه، فزحف بجيشه نحو بريدة يريد استرجاعها، فاستنجد أهلها بعبدالعزيز آل سعود، فجاء بسرعة وفاجأ قوات ابن رشيد في روضة مهنا بالقرب من بلدة بريدة في 18 صفر 1324هـ، الموافق 14 أبريل عام 1906م، وانتصر عليها، وقتل في هذه الواقعة عبدالعزيز بن متعب آل رشيد أمير إمارة آل رشيد، فخلفه في حكم الإمارة ابنه متعب بن عبدالعزيز آل رشيد الذي عقد صلحاً مع عبدالعزيز آل سعود تنازل بموجبه عن جميع بلاد القصيم وسائر مناطق نجد مقابل الاعتراف له بالإمارة على جبل شمّر ومركزه حائل. وبعد هذه الموقعة انسحب الجند العثماني تمامًا من بلاد نجد، وقد كفل عبدالعزيز آل سعود للجند العثماني انسحاباً مشرفاً، فأرسل إليه السلطان عبدالحميد الثاني رسالة شكر على معاملته الطيبة للجند العثماني في القصيم خلال انسحابه من البلاد.
وهكذا يكون نفوذ آل رشيد قد انحسر تماماً، وتكون الدولة السعودية الثالثة قد امتدت حدودها لتشمل جميع منطقة القصيم التي توحدت مع باقي مناطق نجد، وانضمت إلى الدولة السعودية الحديثة. وأصبح وضع الإمارة الرشيديه وضعاً صعباً ومهلهلاً جداً، وأصبح بإمكان عبدالعزيز آل سعود القضاء على هذه الإمارة مستغلاً عوامل الضعف فيها، ومقومات القوة التي لازمت بناء الدولة السعودية الثالثة. وما المسألة الرشيدية إلا مسألة وقت فقط، خاصة بعد انتهاء الوجود الرسمي العثماني من نجد في أعقاب وقعة روضة مهنا.
مواصلة مشروع توحيد نجد.
نكث الأمير سلطان بن حمود آل رشيد بشروط الصلح التي وقع عليها متعب آل رشيد في أعقاب وقعة روضة مهنا. وكان سلطان بن حمود قد تولى إمارة آل رشيد في جبل شمر بعد مقتل الأمير متعب بن عبدالعزيز آل رشيد الذي قتله بعض أبناء عمومته، ولم يتقيد هذا بصلح متعب، وأبلغ أمير القصيم التابع لعبدالعزيز آل سعود بأن الصلح الذي وقعه الأمير متعب مع عبدالعزيز آل سعود أصبح لاغياً ومنقوضاً، ممًا أوجد فرصة كبيرة لعبدالعزيز آل سعود للانقضاض على ماتبقى من بلاد مازالت تابعة للإمارة الرشيدية. وساعدت الظروف العامة والخاصة عبدالعزيز آل سعود في تحقيق مشروعه الرامي إلى ضم كل البلاد النجدية إلى دولته. فدبت خلافات بين أسرة آل رشيد، وقامت حركة من حركات التمرد والاضطراب والقتل والاغتيالات بين زعماء هذه الأسرة. وعلى الرغم من أن عبدالعزيز آل سعود قد تعرض لعدد من المشكلات الداخلية التي ظهرت نتيجة لمشروعات التوحيد هذه في الفترة بين عامي 1325و1331هـ، 1907 و1912م، وبالإضافة إلى هذه المشكلات كانت هناك الظروف الاقتصادية والجوع الذي عم بلاد نجد عام 1327هـ، الموافق 1908م ـ فإن كل هذه الحوادث لم تمنع عبدالعزيز آل سعود من اتخاذ التدابير اللازمة لايقاف نشاط آل رشيد وتحرشاتهم بالقصيم مستغلين الظروف الداخلية فيه.
اشتبك عبدالعزيز آل سعود مع قوات سلطان بن حمود وانصاره من أهل بريدة وبادية الدويش الذين هاجموا الجيش السعودي في الطرفية ليلة 5 من شعبان 1325هـ، المصادف 14 سبتمبر 1907م وانتصر ابن سعود في هذه المعركة انتصارًا ساحقًا، وانهزم سلطان بن حمود الرشيد وفرّ إلى حائل، فعاب عليه أهله انهزامه فجهز جيشًا زحف به من الجبل لملاقاة ابن سعود الذي زحف بجيشه لصده، فتوسط بينهما برغش بن طواله من رؤساء شمر فجددت المعاهدة السابقة التي خرقها سلطان، وما أن عاد إلى حائل حتى قتله أخوه سعود بن عبيد، فثارت الفتنة في حائل وقتل سعود بعد سنة وشهرين، فتولى آل سبهان الحكم فيها باسم سعود بن عبدالعزيز المتعب فلم يحترموا المعاهدة فأغاروا على إحدى القبائل التابعة لابن سعود، فهب لنجدتهم ودارت بينه وبين قوات آل رشيد معركة انتصر فيها ابن سعود انتصارًا مبينًا ـ كما يقول الريحاني ـ وكان تاريخ هذه الواقعة 5 ربيع الأول عام 1327هـ المصادف 29/3/1909م، وتسمّى وقعة الأشعلي.
ازداد اتصال آل رشيد بالعثمانيين الأتراك من أجل دعم موقفهم ضد عبدالعزيز آل سعود، وأخذ العثمانيون الأتراك يمدون سعود بن رشيد بالسلاح والذخيرة، وكانت الدولة العثمانية التركية تعمل جاهدة لضرب النفوذ السعودي عن طريق آل رشيد لعدائها الشديد عبر الحقب التاريخية لآل سعود، ومحاربة للدعوة السلفية. وقرر آل رشيد خوض مجابهة جديدة مع عبدالعزيز آل سعود. والتقى الطرفان في موضع يعرف بماء جراب شرقي بلدة الزلفي وشمالي الأرطاويّة، وهي أول هجرة منظمة أنشئت لتوطين البدو في نجد، وكان ذلك في 7 ربيع الأول عام 1333هـ، الموافق 24 يناير عام 1915م. وكان للبدو في تلك الوقعة دور كبير في أحداثها ونهايتها. فانسحب العجمان وتركوا عبدالعزيز آل سعود، وفروا من الوقعة من أجل خذلانه والإمعان في انكساره. وهجم بدو شمر على خيام عبدالعزيز آل سعود وأمعنوا في نهبها. وهجم بدو مطير على خيام ابن رشيد ونهبوها أيضاً. وماكان على عبدالعزيز آل سعود وابن رشيد إلا أن يطاردا البدو ويمعنا قتلاً فيهم من أجل أن يستردا منهم مانهبوه من خيامهما، فاختل بذلك نظام الوقعة وانشغل الطرفان كل في أموره وترتيباته، وتفرقا دون أن يحرز أي منهما انتصاراً على الآخر، وفاز البدو بالغنائم والأسلاب من كلا الجانبين.
تعد الفترة الواقعة بين موقعة جراب 1333هـ، 1915م ومقتل سعود بن عبدالعزيز المتعب آل رشيد، عام 1338هـ، 1919م بيد ابن عم أبيه عبدالله بن طلال، في المغواة وهما خارجان للنزهة ـ تعد هذه المدة فترة صلح وهدنة بين أمير حائل والسلطان عبدالعزيز آل سعود رغم محاولة الشريف حسين بن علي تحريض آل رشيد على نقض الصلح.
وفي اليوم نفسه الذي قتل فيه سعود، قتل القاتل بيد أحد عبيد سعود بن رشيد فتولى الإمارة ابن أخي سعود عبدالله بن متعب بن عبدالعزيز، وحاول تجديد الصلح مع السلطان عبدالعزيز فاشترط أن تكون شؤون حائل الخارجية إليه، فرفض شرطه وأعلنت الحرب، فسير السلطان عبدالعزيز جيشًا إلى حائل مكونًا من حوالي عشرة آلاف مقاتل وعهد إلى أخيه الأمير محمد بن عبدالرحمن حصارها، ووكّل إلى ابنه الأمير سعود مهاجمة شمّر، ورابط هو في القصيم ليكون قريبًا من موقع الأحداث، فجاءه وفد من حائل بقبول ما اشترطه في العام الماضي من أن تكون شؤون حائل الخارجية إليه، فرد عليهم السلطان عبدالعزيز بعدم قبوله ذلك، وأن عليهم أن يدخلوا فيما دخل فيه أهالي نجد، ليريحوه ويريحوا انفسهم من ويلات الحروب، وشروطه الآن أن يسلموا إليه شوكة الحرب وآل رشيد، وعند هذا (يكون لكم مالنا وعليكم ما علينا) وبعد أن عاد الوفد إلى حائل رفضت الشروط وشدد الحصار الذي قاده الأمير سعود مدة شهرين.
في هذه الأثناء وصل إلى حائل محمد بن طلال بن عبدالله آل رشيد قادمًا من الجوف، ففر أمير حائل عبدالله ابن متعب بن عبدالعزيز آل رشيد من وجهه والتجأ إلى الأمير سعود بن عبدالعزيز آل سعود ففك الحصار عن حائل وعاد بأميرها عبدالله بن متعب فتولى إمارة حائل محمد بن طلال وقاد حملة على قرى حائل التي كان أهلها موالين لابن سعود وفتك بهم وفعل بهم قريبًا مما فعله ابن عمه عبدالعزيز المتعب آل رشيد بأهل القصيم بعد وقعة الصريف من البطش والتنكيل، مما اضطر السلطان عبدالعزيز إلى التحرك السريع لحسم الموقف، فأمر قواته القريبة من منطقة حائل بالتوجه فورًا إلى حائل لحصارها حتى يوافيهم هناك، حيث تحرك السلطان عبدالعزيز بالقوات الرئيسية في 11/12/1339هـ، 16/8/1921م، ووصل ساحة المعارك في 4/1/1340، 8/9/1921م بالجثامية، حيث كان ابن طلال في حرب مع القوات الأولى وكادت الهزيمة تحل بها نتيجة خدعة من ابن طلال، فهاجمه الجيش الرئيسي فهزمه وانسحب إلى حصون مدينة حائل، فحاصره فيها الجيش السعودي، وكتب إليهم ابن سعود يقول : (سلموا تسلموا) فاشترطوا بقاء إمرة ابن طلال فرفض ذلك السلطان عبدالعزيز، ولما طال أمد الحصار كتب يقول : (قد طال أمد الحصار وأقبل الشتاء، فليعذرنا الأهالي إذا أنذرناهم، لهم ثلاثة أيام ليسلموا المدينة وعائلة الرشيد، وإلا فنحن إلى غرضنا مسرعون بالرصاص والنار).
وهذا أحد المواقف الإنسانية التي عرف بها الملك عبدالعزيز، التي تتجلى فيها رأفته وشفقته على من سيصبحون من رعيته، وفي الوقت نفسه برهان على حزمه وعبقريته العسكرية.
وقد جاءه الجواب بأن الأهالي يتخلون عن ابن طلال وبيت الرشيد وأنهم على استعداد لتسليم الحصون المحيطة بالمدينة إذا جاءتهم قوات ابن سعود، فأرسل السلطان ألفين من رجاله ففتحت لهم الحصون المحيطة بحائل، ثم أمّن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، فخرجوا إليه أفواجًا يبايعونه وهم يشكرون الله.
أما ابن طلال فتحصن في قصر برزان فأمنه ابن سعود إذا هو سلم ففعل وهكذا عادت حائل إلى حكم آل سعود، وتوحدت نجد كلها تحت حكم السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وكان ذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر عام 1340هـ المصادف 1 نوفمبر 1921م.
يقول أمين الريحاني: "ولكن حائل كانت في حال الحرب أكثر من سنة قبل ذلك، وكانت القوافل من الكويت والعراق منقطعة عنها، فشمل أهلها الضيق، وكان السلطان عالمًا بشدة حالهم فجاءهم متأهبًا لتخفيفها ـ جاء بالمؤن وجاء بالثياب والمال ـ فأجزل للناس العطاء، ووزع ألوفًا من أكياس الرز، وألوفًا من الكسوات. قال لي أحد الذين سلموا : "كنا ليلة الحصار الأخيرة على آخر رمق، نرى شبح المجاعة والموت، فأمسينا ليلة التسليم الأولى وكلنا شبعانون، مكسيون، مطمئنون".
وهذا من المواقف التي هي غاية في النبل والرحمة والإنسانية من الملك عبدالعزيز مما لا نحتاج معه إلى تعليق.
استرداد المنطقة الشرقية
استعادها الملك عبد العزيز بحلول عام 1339هـ، 1920م. التخطيط لاسترجاع الأحساء.
كان العثمانيون قد استردوا حكم الأحساء، وهي المنطقة التي تعرف اليوم بالمنطقة الشرقية، في عهد ولاية مدحت باشا على العراق عام 1288هـ، 1871م على أثر الفتنة التي نشبت في البيت السعودي بين عبدالله بن فيصل وأخيه سعود بن فيصل في عهد الدولة السعودية الثانية.
اهتم عبدالعزيز آل سعود بأمر المنطقة الشرقية، وأخذ يخطط لاسترجاعها من يد العثمانيين الأتراك، فكانت المنطقة تابعة للدولتين السعوديتين: الأولى والثانية ولآل سعود جذور تاريخية فيها، وها هو عبدالعزيز آل سعود يحاول أن يفك الحصار الشرقي عن دولته عن طريق إخراج العثمانيين الأتراك، حتى يكون لدولته منفذ بحري يسهم في إنعاش اقتصاد البلاد، وبوابة تطل منها الدولة السعودية الثالثة، ويجعل إتصالها بالكويت ومشيخات الخليج أقوى وأكثر سهولة، ويتيح لها أن تقوم بدور أساسي في منطقة الساحل الخليجي، وتصبح مجاورة للنفوذ البريطاني صاحب الثقل السياسي والعسكري في منطقة الخليج، كما تستطيع الدولة السعودية الثالثة من هذا المركز القضاء على حركات التمرد وقطع الطريق التي تعيث فسادًا في الأجزاء الشرقية من الجزيرة العربية. وخلال الفترة التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى كانت الأحوال العامة في الأحساء تخدم أهداف عبدالعزيز آل سعود وموقفه، وأهم العوامل التي هيأت الجو ليقوم عبدالعزيز بمغامرته في استعادة الأحساء هي:
أ - أن الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة العثمانية في منطقة الأحساء، تفضيل المنافع الشخصية على المنافع العامة مما جعل أسلوب الحكم العثماني يتسم بالظلم والاستبداد، ويعتمد في بقائه على القوة العسكرية.
ب- أن بريطانيا كانت تعمل على إضعاف العثمانيين خاصة أن الدولة العثمانية بدأت تميل في علاقاتها إلى دول الوسط لاسيما ألمانيا، وهو أمر يقلق بريطانيا، لأنه يخل بمبدأ المحافظة على التوازن الدولي.
ج- انشغال الدولة العثمانية بإخماد الثورات والتمرد اللذين اجتاحا بعض مناطق الدولة وخاصة انشغالها بحرب البلقان.
حاول عبدالعزيز آل سعود إجراء اتصالات سرية مع بريطانيا عن طريق ممثليها في كل من الكويت والبحرين، لضمان تأييدها لمشروعه الرامي إلى استرجاع الأحساء من العثمانيين، ومع أن بريطانيا لم توافق عبدالعزيز آل سعود على التدخل في شؤون الأحساء قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى،ولم تقدم له أي دعم ضد العثمانيين الأتراك في الأحساء، إلا أنه أخذ على عاتقه مغامرة استرداد الأحساء من العثمانيين معتمداً على قوته الذاتية، وقواته النجدية وإمكاناته المحدودة.
زحف عبدالعزيز آل سعود بقواته صوب الأحساء، وأحاط تحركاته العسكرية بالسرية التامة، ولما وصل إلى بعد كيلومترين من السور الغربي لمدينة الهفوف، وضع خطة حربية شاملة لدخول المدينة وإجلاء الحامية العثمانية التركية منها. فقسم قواته إلى ثلاثة أقسام، وعمل السلالم من جذوع النخيل والحبال ليتسلق الجند السعودي بها الأسوار ليلاً. وهنا نلحظ الطرق الحربية البدائية التي كانت تسلكها القوات السعودية في حروبها وقتذاك، فالسلاح تقليدي، وأسلوب القتال تقليدي بسيط يعتمد في المقام الأول على عامل المفاجأة أكثر من اعتماده على نوع السلاح والخطط العسكرية. وبالمقابل فإن الحامية العثمانية التركية في الأحساء كانت أيضا قليلة العدد، وأسلحتها محدودة، ولم تكن في وفاق مع أهالي المنطقة، وكان يعتريها الملل، وهي في حالة نفسية سيئة ومتدهورة، على الرغم من أن الجند العثماني كان يخضع لنظام الخدمة المحدودة في المنطقة، إذ كان الجند العثماني يبدل كل سنتين.
نجح الجند السعودي في تسلق الأسوار، ودخلوا مدينة الهفوف، وتدفقوا صوب الحصون والقلاع التي يقيم فيها الجند العثماني، ونادى المنادي: "الملك للّه ثم لابن سعود، من أراد السلامة فليلزم مكانه". وقد قاوم الجند العثماني مقاومة محدودة لكنهم شعروا بعدم جدواها، فاستسلموا ورحلهم عبدالعزيز آل سعود بعد أن أمنهم على أرواحهم وأسلحتهم، وقدم لهم الركائب، وساعدهم على الجلاء مع عائلاتهم وأمتعتهم إلى ميناء العقير ومنه إلى البحرين ثم إلى البصرة في العراق، وتم ذلك عام 1331هـ، 1913م.
أرسل عبدالعزيز آل سعود حامية سعودية تحت قيادة عبدالرحمن بن سويلم إلى القطيف، فدخلتها دون مقاومة تذكر من قبل حاميتها العثمانية التي استسلمت ورحل أفرادها إلى البحرين ولحقوا بالجند العثماني الذي رحل عن الهفوف. وبذلك عادت منطقة الأحساء إلى الدولة السعودية الثالثة. ويعدّ استرداد الأحساء من قبل عبدالعزيز آل سعود وتوحيده مع أجزاء الدولة السعودية الحديثة بداية لقيام علاقات جديدة بين الدولة السعودية وبين كل من الدولة العثمانية وبريطانيا، لأن الدولة السعودية الحديثة أصبحت دولة محلية قوية تطل على الخليج ولها ساحل طويل عليه.
استرداد عسير
كانت عسير في الفترة التي كان الملك عبدالعزيز يواصل كفاحه لتوحيد البلاد قسمين سياسيين: الشمالي منهما تحت إمرة آل عائض وقاعدته أبها. والجنوبي تحت إمرة الأدارسة وقاعدته جازان.
وأثناء قيام أئمة آل سعود في الدولة بنشر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية أقبل سكان المنطقة على اعتناقها وانضوت عسير السراة تحت لواء الدولة السعودية الأولى عام 1215هـ، فكان ولاءهم السياسي وتبعيتهم لآل سعود.
ولما زحفت قوات محمد علي على عسير أبلى أهلها بلاءً حسنًا في الدفاع عنها وحمل لواء الجهاد طامي بن شعيب، لكن قواته هُزمت وأُسر هو فأرسله محمد علي إلى مصر مقيدًا بالحديد ومنها إلى اسطنبول حيث أعدم هناك ـ رحمه الله ـ.
وفي عهد الأمير عائض بن مرعي من آل يزيد الذين ينتسبون إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان زحفت القوات العثمانية ومعها الشريف محمد بن عون فحمل عائض لواء المقاومة وبعد عدة معارك انتصر عليهم عام 1250- 1251هـ.
ولمّا توفي عائض في الوباء الذي اجتاح البلاد عام 1273هـ تولى الإمارة من بعده ابنه محمد فعمل على بسط نفوذه في ما حوله من بلاد حتى وصل حدود الحجاز شمالاً وبيشة شرقًا، إلا أنه صادف في تلك الفترة أن العثمانيين انتهجوا سياسة تقوية قبضتهم على البلاد العربية، فأرسلوا حملة قوية بقيادة رديف باشا عام 1288هـ، 1871م، حاصرت أبها فاستسلم محمد بن عائض على شرط الأمان، لكن القائد العثماني أحمد مختار باشا غدر به وقتله واحتلوا البلاد وجعلوها ولاية عثمانية، وأبعدوا آل عائض عن الحكم إلا أنهم اضطروا إلى الاستعانة بالأمير حسن بن علي بن محمد آل عائض عام 1330هـ، 1912م عندما حاربهم الإدريسي، ومنذ ذلك الوقت ظل الأمير حسن معاونًا للمتصرف العثماني سليمان شفيق باشا.
ولما قامت الحرب العالمية الأولى وانسحب الاتراك من عسير استقل بها حسن آل عائض، ولكنه لم يحسن السيرة بل ظلم الرعية واستبد، فنفرت منه القبائل وبعثوا رسلهم إلى الإمام عبدالعزيز يشكون تسلط أميرهم وظلمه ويناشدون أن يحميهم فأوفد إلى أبها ستة من العلماء وكتابًا إلى الأمير حسن، فناشدوه العمل بالكتاب والسنة والعودة إلى ما كان عليه آباؤه، فعدَّ ذلك تدخلاً من ابن سعود في شؤونه الخاصة ومساسًا باستقلاله فهدد باحتلال بيشة.
الحملة الأولى.
في شعبان عام 1338هـ، مايو 1920م، أرسل الإمام عبدالعزيز ابن عمه عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود على رأس قوة مكونة من ألفين من المحاربين فالتقى بجند ابن عائض عند حجلة بين أبها وخميس مشيط، فهزم ابن عائض وتقدم إلى أبها وفتحها، فاستسلم ابن عائض وأسرته لابن مساعد فأرسلهم إلى الرياض، وأكرمهم ابن سعود ورغب في ردهم إلى إمارتهم على أن يكونوا تابعين له، لكنهم آثروا التخلي عن الإمارة نهائيًا فرتب لهم المشاهرات والمقررات السخية، وعادوا إلى ديارهم راضين، فأقام محمد في أبها، وانتقل حسن بن عائض إلى بلدتهم حرملة.
الحملة الثانية.
نقض حسن بن عائض عهده الذي أعطاه لابن سعود وحرض القبائل ضده وأمده الشريف حسين بن علي بالمال والسلاح فهاجم أبها وحاصر حاميتها حتى استسلمت، فأسر أفرادها مع أمير البلد فهد العقيلي، واستمرت هذه الفتنة بضعة شهور، لأن السلطان عبدالعزيز كان مشغولاً باستعادة منطقة حائل وتنظيم أوضاعها، فلما انتهى من شأنها التفت إلى عسير.
جهز السلطان عبدالعزيز قوة مكونة من حوالي عشرة آلاف رجل، ووكل إلى ابنه الأمير فيصل قيادتها، وفي شوال عام 1340هـ، يونيو 1922م وصل الأمير بقوته إلى بيشة، فوجد فيها قوة من خصومه فقاتلهم حتى هزمهم وشتتهم، ولما بلغت أخبار الهزيمة ابن عائض وقدوم القوات السعودية أخلى أمامها خميس مشيط وحجلة وتحصن في أبها، فهاجمها الأمير فيصل فأخلاها آل عائض وتحصنوا في حرملة، وجاءهم مدد من الشريف حسين بقيادة الشريف عبدالله بن حمزة الفعر وحمدي بك فأرسل الأمير فيصل قوة من جيشه للسيطرة على حرملة فنجحت في مهمتها، وكان الشريف حسين قد أرسل قوة هائلة لنجدتهم، فكلف الأمير فيصل قوة من المجاهدين فهزموا الجيش الحجازي هزيمة منكرة فتقهقرت فلوله المنهزمة إلى القنفذة، وقضى بذلك على فتنة آل عائض، وتوحدت عسير مع الأقاليم الأخرى في الدولة السعودية الثالثة (المملكة العربية السعودية) وأمر فيها الأمير فيصل سعد بن عفيصان، ولما توفي عين السلطان عبدالعزيز بن سعود عبدالعزيز بن ابراهيم، أميرًا على منطقة عسير، وكان رجلاً حازمًا قوي الشكيمة، معروفًا بالدهاء والكرم وحسن التصرف، رحمهم الله جميعًا.
استرداد إمارة الأدارسة
ينتسب الأدارسة الذين شكلوا إمارة الأدارسة في منطقة جازان ونجران، أو مايعرف في نطاق ضيق بمنطقة المخلاف السيلماني، إلى عالم فقيه من متصوفة المغرب اسمه أحمد بن إدريس من أهل فاس بالمغرب، وكان هذا العالم قد جاور المسجد الحرام بمكة نحو ثلاثين عامًا. ونزل بصبيا عام 1246هـ 1830م، فالتف حوله مريدوه وتلقوا طريقته الأحمدية، وهي على نمط الطريقة الشاذلية وأصبح له أتباع في مكة وأتباع في صبيا. وبعد وفاته عام 1253هـ 1837م، خلفه ابنه محمد بن أحمد الذي بدأ يؤسس إمارة صغيرة، وأيده الأهالي تكريمًا لوالده ودوره في ريادتهم. وتزوج محمد بن أحمد بسودانية ولدت له ابنًا اسمه علي، وتزوج علي بهندية أنجبت له ولدا اسمه محمد عام 1293هـ، 1876م، فكان محمد بن علي من أهم أفراد أسرة الأدارسة وأدهاهم.
حاول محمد بن علي الإدريسي أن يقوي إمارته، فاتصل بالإيطاليين ضد العثمانيين في فترة الحرب الإيطالية العثمانية في ليبيا (الحرب الطرابلسية)، وساعده الأسطول الإيطالي في البحر الأحمر. وتكمن مشكلة إمارة الأدارسة في أن كلاً من الشريف حسين بن علي ـ شريف مكة ـ والإمام يحيى حميد الدين ـ إمام اليمن ـ يعدّ أرض الإمارة الإدريسية جزءاً من بلاده، وكي يحافظ السيد محمد بن علي الإدريسي على إمارته من الضياع اتصل بعبد العزيز آل سعود، سلطان نجد وملحقاته، وطلب منه العون والدعم خاصة وأن سلطان نجد وملحقاته على علاقة سيئة مع كل من شريف الحجاز وإمام اليمن، وهو وقتها حاكم منطقة عسير الداخلية، ويهمه أمر المنطقة الإدريسية المجاورة لحدوده. وبالفعل دعم سلطان نجد وملحقاته مركز السيد محمد بن علي الإدريسي ضد مطالب الشريف ومطالب إمام اليمن، واستمر الإدريسي منيع الجانب حتى وفاته عام 1341هـ، 1923م.
اضطربت الإمارة الإدريسية بعد وفاة السيد محمد بن علي الإدريسي، خاصة بعد أن خلفه ابنه علي بن محمد الإدريسي الذي كان ضعيفاً، فثار عليه الأهالي وخلعوه، وبايعوا عمه الحسن بن علي الإدريسي الذي حاول قدر استطاعته أن يوازن بين القوى السياسية في المنطقة، ففاوض الإيطاليين في مصوَّع من أجل دعمه. وفاوض البريطانيين من أجل مساعدته أيضًا، وحتى يوازن بين قوتين دوليتين لهما نفوذ قوي في المنطقة. وأرسل ابن عمه مرغني الإدريسي إلى مكة المكرمة ليفاوض الملك عبدالعزيز آل سعود بعد دخوله منطقة الحجاز، ووقع مرغني الإدريسي معاهدة مع الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1345هـ، 1926م، عرفت باسم معاهدة الحماية الخاصة بالإمارة الإدريسية، وضع بمقتضاها الإمارة الإدريسية تحت حماية الدولة السعودية الثالثة، ويدير الملك عبدالعزيز آل سعود بموجبها الشؤون الخارجية، وتبقى إدارة الإمارة داخلياً بيد السيد الحسن الإدريسيّ، يساعده في الإدارة عامل سعودي يعينه الملك عبدالعزيز آل سعود.
ولما عجز الإدريسي عن إدارة الشؤون المحلية لإمارته، مثل المحافظة على ضبط الأمن، والإدارة ، والجباية، وغيرها من الأمور الداخلية في الإمارة، أبرق الحسن الإدريسي إلى الملك عبدالعزيز آل سعود في 17جمادى الأولى 1349هـ، 1930م يقول: ¸ تقرر بموافقتنا ورضانا إسناد إدارة بلادنا وماليتنا إلى عُهدة جلالتكم·.
وأمر الملك عبدالعزيز آل سعود بتأليف مجلس شورى خاص بالمقاطعة الإدريسية يتكون من أهلها ولاتكون قراراته نافذة إلا بعد موافقة السيد الحسن الإدريسي، وكانت وظيفة هذا المجلس النظر في الأمور الداخلية للمقاطعة التي ضمت وتوحدت مع البلاد السعودية. وظل الحسن الإدريسي وكأنه رئيس لحكومة محلية في الإمارة الإدريسية، وكانت كل الأوامر الداخلية تصدر عن الحسن الإدريسي نيابة عن الملك عبدالعزيز آل سعود في كل الشؤون الداخلية للمقاطعة. ولكن دسائس ومؤامرات حزب الأحرار الذي يتزعمه الشريف عبدالله بن الحسين دفعت الحسن الإدريسي إلى التهور، مما عجل بنهاية نفوذه في المنطقة، فقد تمرد على حكم الملك عبدالعزيز، وتعاون مع أعدائه، وحبس الأمير السعودي فهد بن زُعير وجماعته من الموظفين السعوديين في المقاطعة الإدريسية، فأرسل الملك عبدالعزيز قوات كثيفة العدد والعدة إلى صبيا براً وبحراً قضت على مقاومة الحسن الإدريسي، فهرب الإدريسي إلى صنعاء حيث كان الإمام يحيى يدعمه ويشجعه على الثورة. وظل الحسن الإدريسي والأدارسة في اليمن حتى معاهدة الطائف التي أنهت الحرب بين السعودية واليمن عام 1353هـ، 1934م، عندها سلم إمام اليمن الحسن الإدريسي ومن معه من الأدارسة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود بموجب أحد شروط اتفاقية الصلح بين الطرفين الذي ينص بشكل صريح على تسليم الأدارسة للملك عبدالعزبز آل سعود. وهكذا زالت الإمارة الإدريسية وانتهى دور الأدارسة، في مجال سياسة مناطق الجزيرة العربية، وزال نفوذهم، واختفت تطلعاتهم تجاه السيادة والسلطة.
ضم المنطقة الغربية (الحجاز)
ساد جو عدم الثِّقة بين عبدالعزيز آل سعود والشريف حسين بن علي، شريف الحجاز قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تدل على هذا حادثة أسر الشريف حسين بن علي لسعد بن عبدالرحمن آل سعود أخي عبد العزيز آل سعود الذي كان في بادية عتيبة يستنفر رجالها بأمر من أخيه عبدالعزيز آل سعود. وقد عد عبدالعزيز آل سعود هذا التصرف بمثابة اعتداء صريح عليه من الشريف حسين. وفهم عبدالعزيز آل سعود من هذا الحادث أنه أسلوب يتبعه الشريف حسين بن علي للمساومة. ولهذا صار يتنقل من ماء إلى ماء لا يريد المواجهة مع عبد العزيز فقد كتب إلى عبدالعزيز يقول: (إذا هجمت علينا تركنا لك المعسكر والخيام وعدنا بأخيك سعد إلى مكة، فيبقى عندنا إلى أن تطلب الصلح)، وكان يرافق الشريف حسين الشريف خالد بن لؤي، وكان أهل بلده ممن اعتنق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وانضم إلى الدولة السعودية الأولى وسار هو وأسرته على هذا المنهج، فتوسط بين الشريف حسين وعبدالعزيز بن سعود حيث أخبره أن الشريف ليست له غاية سيئة ولكنه يريد (أن يبيض وجهه مع الترك) فاكتب له ورقة تنفعه عند الترك ولا تضرك وأنا أتكفل برجوع سعد، فقبل عبدالعزيز وساطة خالد بن لؤي وكتب له (قصاصة ورق) تنفع الشريف عند الترك ولا تضر كاتبها، وتعهد فيها أن تدفع بلاد نجد ستة آلاف مجيدي كل سنة أ. هـ، ولم تكن سوى قصاصة من ورق.
وتوترت العلاقة بين عبدالعزيز آل سعود والشريف حسين بن علي، أثناء الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها بسبب حوادث النزاع حول ترسيم الحدود بين نجد والحجاز، وتردّت العلاقة بين الطرفين عندما منع الشريف حسين النجديين من دخول الحجاز لأداء فريضة الحج. وساءت الأمور كثيرا بسبب ثورة الشريف حسين بن علي على الأتراك العثمانيين وتطلعاته الرامية إلى قيادة العالم العربي وزعامته، وقد تطور هذا الأمر عندما أعلن الشريف حسين بن علي أنه خليفة المسلمين. وقد دعم الشريف حسين آل رشيد ضد ابن سعود، ودعم أيضا آل عائض في عسير بالإضافة إلى الخلافات الأخرى، التي كانت تنشب بين الطرفين بسبب تبعية القبائل البدوية، والمشكلات التي كانت تحدثها القبائل من جهة أخرى.
وقد أدى النزاع على الحدود بين نجد والحجاز، خاصة حول واحتي تربة والخرمة إلى وقوع الحرب بين الطرفين في وقعة تربة في 25 شعبان عام 1337هـ، أوائل عام 1919م، أثناء فترة انعقاد مؤتمر السلام في باريس في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد انتصر فيها الجيش السعودي، على جيش الشريف حسين الذي كان يقوده الأمير عبدالله. وكان الانتصار كبيراً، حيث إن الجيش الهاشميّ المنظم قد شتت شمله. لذا تعد وقعة تربة بداية المشوار في ضعف الهاشميين في الحجاز، ثم سقوط دولتهم فيه. وتعد وقعة تربة أيضًا فاتحة ضم مناطق الحجاز وتوحيدها ضمن بلاد الدولة السعودية الحديثة؛ لأن تربة هي بوابة بلدان الحجاز من الداخل.
شن الجيش السعودي هجوما على قوات الشريف حسين في الطائف، فدارت وقعة في الحوية قرب الطائف تراجع فيها الجيش الهاشمي أمام القوات السعودية، ثم هجم السعوديون على الطائف فدخلوها عنوة في 7 صفر عام 1343هـ ، 1924م ودارت وقعة فاصلة في الهدا، بين القوات السعودية وقوات الأمير علي بن الحسين، انتصرت فيها القوات السعودية واستولت على معسكر الأمير علي بن الحسين في الهدا، واضطرت القوات الهاشمية إلى التراجع باتجاه مكة المكرمة، وقع ذلك في ليلة 27 صفر من العام نفسه. وفي صباح اليوم الخامس من شهر ربيع الأول عام 1343هـ، 1924م، اضطر الشريف حسين بن علي إلى قبول التنحي والاعتزال عن حكم الحجاز، ونودي بابنه الأمير علي بن الحسين ملكاً على الحجاز، وقد أخلى الملك علي مكة المكرمة في ليلة 16 من ربيع الأول 1343هـ، 1924م، ودخلها السعوديون في 17 من ربيع الأول من العام نفسه وهم محرمون للعمرة، لأن علماء الرياض أفتوا بأنه لايجوز دخول الحرم بنية القتال.
دخل سلطان نجد وملحقاتها مكة المكرمة وبايعه علماؤها وشيوخها ووجهاؤها. وأخذ يعد العدة لضم كل ماتبقى من مدن الحجاز وبلدانه. فأمر قواته بحصار مدينة جدة في 7 جمادى الآخرة عام 1343هـ، الموافق 3 يناير 1925م. وتولى سلطان نجد وملحقاتها قيادة جيشه بنفسه، فعسكر في الوزيرية ثم في الرغامة، وأخذ يضيق الخناق على المدينة. ووجه بعض السرايا إلى كل من القنفذة، ورابغ، وينبع، والعلا، والليث، واستطاعت تلك القوات دخولها. وكان سلطان نجد وملحقاتها يمعن في حصار جدة، وكان يخطط أيضًا لأن تكون جميع موانئ الحجاز ومناطق عبوره البحرية بيد قواته. وكان سلطان نجد وملحقاتها قد وجه فيصل الدويش لدخول المدينة المنورة، ورفض أهلها الاستسلام إلا عندما يحضر أحد أبناء السلطان عبدالعزيز، وأخيراً استسلمت إلى الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود في 19 جمادى الأولي عام 1344هـ، 1925م بعد أن أمن الضباط والجند والأهالي على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم، وأصدر أمراً بالعفو العام.
أما مكة شرفها الله، فبعد أن هزم الجيش السعودي الجيش الهاشمي، ودخل الطائف منتصرا ساءت الأحوال في مكة، وشحت الأقوات، وانتشرت الفوضى، واختل الأمن، مما دفع أهل الحل والعقد، أن يعقدوا مؤتمرا في جدة لبحث إيجاد أسلوب لتخليص الحجاز من حكم الأشراف، وكانت الخطوة الأولى أن يطلبوا من الشريف حسين التنازل عن الحكم لابنه علي، فأرسلوا في الرابع من ربيع الأول عام 1343 هـ، المصادف للثالث من أكتوبر عام 1924م، برقية يطلبون منه ذلك، وقد وقع البرقية مائة وأربعون من العلماء والأعيان والتجار، وبعد جدال ومحاورة بين الحسين والأعيان تنازل لابنه في الخامس من الشهر نفسه.
بعد ذلك دارت مراسلات ومفاوضات بين ممثلي أهل الحجاز والقادة السعوديين في مكة، وكان نتيجتها أن قرر رئيس الحزب الوطني حله وانتهاء مهماته، مما كان سببا في إلقاء القبض على بعض أعضائه وسجنهم بتهمة موالاة السعوديين وتيسير مهمة ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الثالثة.
أما الملك علي فقد تحصن في جدة مما اضطر الملك عبدالعزيز أن يفرض حصارا مشددا على البلد قاده بنفسه، واستمر أكثر من عام مع أن الفرصة كانت مواتية للنصر واقتحام جدة، ولكن الملك عبدالعزيز آثر التريث حفاظا على جيشه وعلى الأجانب المقيمين فيها، وأملا في تسليم الملك علي دون قتال، وقد تم له ما أراد، فبعد مراسلات وواسطات عرض الملك علي التسليم والخروج من البلاد بشروط وتوصل الطرفان إلى صيغة الصلح وشروطه، ووقعه كل من سلطان نجد وملحقاتها والملك علي بن الحسين في غرة جماد الآخرة 1344هـ، الموافق 17 ديسمبر 1925م، وأتت بنوده كما يلي:
1) يغادر الملك علي مدينة جدة قبل مساء يوم الثلاثاء 6 جمادى الآخرة 1344هـ، وله أن يأخذ جميع أمتعته الشخصية بما في ذلك سيارته وخيوله.
2) لا يحق للملك علي أن يخرج شيئا من المعدات الحربية، وما لحكومته من بواخر وقوارب وسنابيك.
3) يؤمن سلطان نجد وملحقاتها سلامة الموظفين العاملين في الحكومة الهاشمية من مدنيين وعسكريين وكذلك جميع أهالي المدينة من حضر وبدو، وأن يمنح الجميع العفو العام، ويتعهد بترحيل جميع الضباط والجند الهاشميين، الذين لا يرغبون البقاء في جدة إلى بلادهم ويوزع على الموجودين منهم بجدة خمسة آلاف جنيه ذهبي.
وهكذا انتهى الحكم الهاشمي في الحجاز، وأصبحت الدولة السعودية الثالثة تضم جميع البلاد التي كانت تتبع الدولة السعودية الأولى في فترة عصرها الذهبي. وبذلك تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود من توحيد جميع المناطق في دولة قوية موحدة هي المملكة العربية السعودية. وقد صرف الملك عبدالعزيز جهداً كبيراً في سبيل تحقيق ذلك، ودام هذا العمل الشاق والصعب مدة تصل إلى حوالي ربع قرن من الزمن، قضاها الملك عبدالعزيز آل سعود محارباً في سبيل توحيد البلاد وإعادة مجد البيت السعودي وتاريخه الطويل.
ويُعد توحيد البلاد العربية السعودية من أهم الإنجازات السياسية التي حققها الملك عبدالعزيز، وتتضح هذه الحقيقة من قوة الدولة التي يتمتع فيها المواطن بالاستقرار والراحة والهدوء، وينعم بالأمن في ظل حكومة مركزية قوية تحمي رعاياها وتكفل لهم العزة والكرامة في وطن آمن مستقر، وهي أمور يرجوها المواطن في كل مكان وزمان. وتتضح هذه الحقيقة الثابتة إذا قارنا الوضع المستقر والآمن بحال الفوضى والاضطراب التي كان يعيشها المواطن في مناطق الجزيرة العربية قبل التوحيد السياسي، وفي غياب الدولة المركزية القوية.
بناء الدولة السعودية الحديثة
اعتمد بناء الدولة السعودية الحديثة في كل المجالات على كل مقومات الدولة الحديثة المنظمة في العصر الحديث، وهي مجالات السياسة والدبلوماسية والدستور والأنظمة واللوائح التنظيمية الإدارية والمجالات العسكرية والأمنية، ومجالات التعليم والبناء الاجتماعي والحضاري، ومجالات الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها.
أسماء الدولة وألقاب حكامها.
الدولة السعودية الثالثة هي بطبيعة الحال وريثة الدولتين السعوديتين: الأولى والثانية في كل الاعتبارات. وكان حكام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية قد لقبوا بالإمام وهو لقب معروف في الدولة الإسلامية، وللإمامة حقوق وواجبات في الطاعة والأحكام. وتذكر المصادر التاريخية أن لقب الإمام كان من أحب الألقاب إلى نفس الملك عبدالعزيز آل سعود. وكان الملك عبدالعزيز قد لقب بالإمام رسميًا بعد وفاة أبيه عبدالرحمن بن فيصل عام 1346هـ، 1928م.
في مطلع تكوين الدولة السعودية الحديثة سارت السلطة والسيادة منذ أول عهدها باتجاه مفهوم الدولة الحديثة، لأنها قائمة على أساس تجربة الدولة السعودية السابقة. وكان حاكمها عبدالعزيز آل سعود قد لقب رسميًا في المخاطبات الرسميّة والمكاتبات، ولدى الحكومات والبعثات السياسية والدبلوماسية، بأمير نجد.
عقد مؤتمر في الرياض عام 1339هـ، 1921م حضره علماء البلاد ورؤساؤها، وقرر المؤتمر أن يكون لقب حاكم البلاد سلطان
، وأصبحت الكتب والرسائل والمخاطبات تحمل النعت واللقب صاحب العظمة سلطان نجد
. ولما توحدت كل من منطقة عسير وجبل شمّر في بوتقة الدولة السعودية الثالثة عام 1340هـ، 1922م، أصبح لقب السلطان هو عظمة سلطان نجد وملحقاتها
وسميت الدولة السعودية الثالثة وقتذاك بسلطنة نجد وملحقاتها.
وبعد دخول سلطان نجد وملحقاتها مدينة جدّة عام 1345هـ، 1926م، وإنهاء حكم الأشراف في كل إقليم الحجاز، اجتمع رؤساء بلدان الحجاز وأعيانها وبايعوا السلطان عبدالعزيز ملكًا على الحجاز وأصبح لقب عبدالعزيز الجديد هو جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها
وأصبحت كل المكاتبات والمراسلات منذ ذلك الحين تحمل هذا اللقب، وأصبح اسم الدولة مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها
، واعترفت بذلك الدول العربية والأجنبية. وفي 25 رجب عام 1345هـ، الموافق 19 يناير 1927م، بايعه أهل نجد في الرياض ملكًا على نجد، فأصبح لقبه هو جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
. وأصبح اسم الدولة هو مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها.
وفي 17 جمادى الأولى عام 1351هـ، 1932م، صدر مرسوم ملكي في الرياض بتوحيد كل أجزاء الدولة السعودية الحديثة في اسم واحد هو المملكة العربية السعودية
، وملكها صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية، وجرى تنفيذ ذلك ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى عام 1351هـ، الموافق 22 سبتمبر 1932م. واتخذ الملك فهد بن عبدالعزيز لقبًا جديدًا هو خادم الحرمين الشريفين
في 24 من صفر عام 1407هـ، أكتوبر 1986م.
تنظيمات الدولة.
اختارت الدولة السعودية الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود شكل شعار الدولة وعلمها. فأصبح شعار الدولة مؤلفًا من سيفين متقاطعين، في وسطهما نخلة. أما علم الدولة فأصبح لونه أخضر، وفي وسطه لا إله إلاّ الله محمد رسول الله
باللون الأبيض، وبسيف أبيض واحد يكون مستطيلاً.
دستور الدولة.
دستور الدولة السعودية الثالثة يقوم على الأساس نفسه الذي قام عليه دستور الدولتين السعوديتين الأولى والثانية. فدستور الدولة السعودية الثالثة كتاب الله وسنة رسوله ³
ويقوم الحاكم بتطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق التوحيد، وهي في أحكامها تستند إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة، وما أجمع عليه الأئمة الأربعة. فالحكم السعودي والحاكم السعودي مقيدان بشكل كامل بأحكام الشرع الإسلامي.
التعليمات الأساسية للدولة.
صدرت التعليمات الأساسية للدولة السعودية الثالثة في الجريدة الرسمية يوم 21 صفر 1345هـ، الموافق 31 أغسطس 1926م، وهي أنظمة وقوانين ولوائح تُعرِّف بالدولة السعودية الحديثة، وشكلها ودستورها وتنظيماتها الإدارية، وهي أول نظام وضع لتنظيم الدولة في أعقاب اتخاذ الدولة السعودية الحديثة اسم مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها
. وأهم التعليمات هي: 1ـ إن المملكة مرتبطة ببعضها ارتباطًا لا يقبل التجزئة. 2ـ المملكة دولة ملكّية، شورية، إسلامية، مستقلة. 3ـ لغة الدولة اللغة العربية وهي اللغة الرسمية للبلاد. 4ـ إدارة الدولة بيد الملك، وهو مقيد بأحكام الشرع الإسلامي.5ـ أحكام الدولة مطابقة لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح. 6ـ ينوب النائب العام عن الملك في الحجاز. 7ـ تنظيم الإدارة وإنشاء مجلس الشورى، والمجلس الإداري، ومجالس النواحي ومجالس القرى.
وأعقب ذلك تكوين الوزارات في البلاد السعودية، إذ قبل ذلك كان هناك الديوان الملكي
وهو وحده الذي يتولى تصريف الشؤون الداخلية والمحلية، ومرجعه الأول الملك مباشرة. وأنشئت بعد ذلك وزارات مسؤولة عن تصريف أمور الدولة تحت إشراف الملك مباشرة. فأنشئت وزارة الشؤون الخارجية في رجب 1349هـ، أواخر عام 1930م، وعين الأمير فيصل بن عبدالعزيز أول وزير لها. وأُسس مجلس الوكلاء عام 1350هـ، 1931م. وتلا ذلك تكوين وزارة المالية عام 1351هـ، 1932م، العام الذي تسمّت فيه الدولة باسم المملكة العربية السعودية، وأصبح عبد الله السليمان أول وزير لها. وتوالى بعد ذلك تأسيس الوزارات في الدولة السعودية الحديثة على شكل متعاقب وتدريجي حسب الحاجة والمتطلبات وافتتح أول مجلس وزراء سنويّ في 3 ذي الحجة 1372هـ، الموافق 20 يوليو 1953م، في العام الأخير من حياة الملك عبدالعزيز آل سعود. ثم صدر مرسوم ملكي موقع من قبل الملك عبدالعزيز يقضي بجعل مجلس الوزراء تحت رئاسة ولي العهد، في 3 من صفر 1373هـ الموافق 11/10/1953م.
وبعد ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الثالثة، نشأ في البلاد السعودية تنظيم خاص للعلاقات الدولية أقيم على قواعد المعاملة بالمثل والتبادل الدبلوماسي المتكافئ، والصداقة المتبادلة القائمة أساسًا على الأعراف الدوليّة المتَّبعة في التعامل الدبلوماسيّ بين دول العالم. فأقامتالدولة السعودية الحديثة علاقات دبلوماسية مع دول العالم، وعينت السفراء والقناصل والوزراء المفوضين لهذه الغاية، ومرجعهم في ذلك وزارة الخارجية السعودية. وتكون الدولة السعودية الحديثة هي الدولة السعودية الأولى من بين الدول السعودية المتعاقبة التي عرفت التمثيل السياسي والدبلوماسي المنظم.
ويُعدُّ صدور التنظيمات الأساسية بداية البناء الإداري في الدولة السعودية الحديثة، وبدأ هذا البناء الإداري أولاً في مملكة الحجاز التي كان سكانها قد تعودوا على الأنماط الإدارية المنظمة في العهدين: العثماني والهاشميّ قبل توحيد الحجاز وضمه إلى الدولة السعودية الثالثة.
ظلت التعليمات والأنظمة الإدارية واللوائح التنظيمية السعودية تصدر تباعًا وبشكل تدريجي وحسب الظروف والحاجة إليها، وذلك من أجل الإصلاح والتحسين والتعديل اللازم والضروري، وكلها من متطلبات البناء الحضاري الحديث. فاستحدثت الدولة المجالس الإدارية المختلفة، وأنشأت النيابة العامة في الحجاز عام 1345هـ، 1926م، وأقرت أنظمة المقاطعات الإدارية، وأنظمة المجالس الإدارية الملحقة بالمقاطعات. ونظمت الشؤون القضائية والمالية وغيرها من الشؤون التي تتطلب التنظيم.
صدر في 27 شعبان عام 1412هـ، الموافق 1 مارس 1992م المرسوم الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في شأن إقرار أنظمة الحكم والشورى والمناطق في المملكة العربية السعودية ممّا اعتبر نقلة نوعية متميزة في البناء والتأسيس. وجاءت تلك الأنظمة على هدي من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي مع ذلك وليدة التجربة السياسية والإدارية التي طبقت فعليًا في البلاد السعودية منذ استحداث الأنظمة السياسية والإدارية في الدولة السعودية الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة.
توطين البدو.
يعاني البدو في البادية من مشكلات قد تكون أعمق وأعقد من مشكلات الجماعات الحضرية المستقرة. ومن بين تلك المشكلات تأتي مشكلة التنقل الدائم والترحال المستمر داخل البادية من جهة وخارجها من جهة أخرى. وعلى الرغم من تلك المشكلة فقد ظل البدوي يفتخر بحياة الترحال والتنقل وعدم الاستقرار، وظل يرى في قرارة نفسه أنه الأنموذج الاجتماعي المثالي لبني البشر أينما كانوا، وأينما حلوا.
إن نظام التنقل والغزو الدائم في بيئة البادية قد أدّيا بالفعل إلى انقطاع حبل الأمن، وأوجدا أنواعًا من عدم الاستقرار السياسي. وأحدثا شرخًا في العلاقات القائمة بين مجتمع البادية وبين الجماعات الحضرية، وبين مجتمع البادية والسلطة المركزية القائمة على أساس سيادة الحضر، وقد تعدى ذلك ليحدث نزاعات بين السلطات المتجاورة، خاصة حول موضوع تبعية تلك القبائل المترحلة.
وأصَّل نظام الغزو في مجتمع البادية مبدأ الأخذ بالثأر، وأوجد نوعًا من التحامل القبلي الذي يحتاج إلى وقت طويل كي ينتهي ويتلاشى. كما أن الجهل عند البدو يُعدُّ مشكلة اجتماعية حقيقية، فالبدوي بعيد كل البعد عن التعليم وعن التيارات الثقافية المتوافرة في الحضر ولدى الجماعات البشرية المستقرة.
ومن خلال هذا كله رأى الملك عبدالعزيز آل سعود ضرورة السيطرة على النزعة البدوية والإفادة من إيجابياتها، وهو ذكاء خارق من الملك عبدالعزيز يوضح مدى عمق فكره السياسي والاجتماعي، ويبين مدى سعة أفقه. ويعكس ذلك توجُّهًا، يقوم على أفكار اجتماعية، ودينية، وتعليمية، واقتصادية، وعسكرية. ومن هنا ظهر مشروع توطين البدو الذي خطط له الملك عبدالعزيز وهيأ له السبل والوسائل التي عملت على إنجاحه. فاختار الملك عبدالعزيز لهذا المشروع جماعة قادرة على الإفادة من بساطة البدوي وعاطفته وفطرته. وجند له عددًا من العلماء والمرشدين والمطاوعة، وخصص له الأموال وكميات من الأرز والشاي والبن وغيرها من متطلبات حياة البدوي. وحاول الملك قدر استطاعته أن تكون أنظمة المشروع وقوانينه مرنة كي يستطيع من خلال ذلك أن ينفذ مشروعه في جو يكون فيه البدوي المعنيّ أكثر قناعة، وتقبُّلا لمشروع يعدّ ظاهرة فريدة في الجزيرة العربية وفي خارجها خاصة في الوطن العربي الذي يكثر فيه البدو ومجتمعات البادية.
أهداف مشروع التوطين. يعد مشروع توطين البدو الذي نفذه الملك عبدالعزيز، ظاهرة متقدمة في مجال البناء الاجتماعي في الجزيرة العربية، وهو مشروع رائد من المشروعات الاجتماعية المهمة في المنطقة العربية برمتها. فقد رأى الملك عبدالعزيز بثاقب بصيرته وبعد نظره السياسي والحضاري أن يوطن البدو في هجر وقرى مستقرة تحقق غايات دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية. فخطط الملك عبدالعزيز بأن يجمع القبائل المتنقلة والمتفرقة في دولته ويوحدها في إطار نوع من الاستقرار ضمن الدولة الأم مدفوعًا بمبادئ دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية. فركز الملك على أن يجعل البدوي يشعر بمسؤولية المواطنة، وحرص قدر إمكانه على أن يغرس فيه مبدأ حب الاستقرار، والإقامة الثابتة، والاستيطان المستقر. يقول الملك عبدالعزيز : "...إنني أريد تطوير نزعة البدو الفطريّة إلى الحرب، حتى يشعروا بأنهم أعضاء في جماعة واحدة، إنه عمل شاق، ولا أنكر ذلك، ولكن الجانب الكبير منه سيتحقق عندما تبدأ وحدات جيشي تشعر أن الهجر التي نشأت هي بمثابة وطن صغير لها في وسط الوطن الكبير القاحل".
حاول الملك عبدالعزيز أن يعلم البدو، بوساطة العلماء، مبادئ الدين الإسلامي وأحكامه حتى لا يظلوا في جهل من أمر دينهم ودنياهم. إنه مشروع يجدد مبادئ الدعوة السلفية بين البدو، ويعودهم على طاعة السلطة المركزية، ويعودهم أيضًا على الولاء للدولة أكثر من ولائهم للقبيلة. إنه يجعل البدو يشعرون بروابط الانتماء إلى الوطن والمواطنة في نطاق وطن أرحب وأوسع من نطاق ديارهم والأرض التي يتنقلون عليها ويرتحلون إليها. إنه مشروع يجمع أكبر قوة عسكرية محاربة يكون أفرادها من البدو الذين استقروا وهجروا حياة الترحال والتنقل، ممّا يعود البدوي على تقبل مبدأ الطاعة والانقياد. إنه مشروع يعلم البدو الزراعة ويعمل على ربط البدوي بالأرض فتتغير بذلك وظيفته الاقتصادية حين ينتقل من وظيفة الرعي إلى وظيفة العمل بالزراعة والفلاحة، وحين يصبح عسكريًّا يقوم بمتطلبات الجندية حتى وإن كانت جندية مؤقتة وغير ثابتة في الظرف الراهن. إنه مشروع حضاري جيد في حال نجاحه وتحقيق أهدافه الكبرى.
نتائج مشروع التوطين.
على الرغم من السلبيات والمشكلات التي تعرض لها مشروع الملك عبدالعزيز لتوطين البدو، وما قام به بعض الجماعات الموطنة من عصيان وتمرد، إلاّ أن المشروع حقق الكثير من النتائج الإيجابية، من أهمها : 1ـ قبول البدوي لمبدأ التوطين والاستقرار، وقد انتشر هذا المبدأ بسرعة كبيرة في البادية، وأصبحت الهجرة الواحدة أحيانًا يسكنها حوالي عشرة آلاف نسمة. 2ـ قلل المشروع من نسبة البداوة في الدولة السعودية الحديثة، وزاد معه نسبة السكان الحضر وفتح الباب أمام تحول اجتماعي كبير، واكبه تحول اقتصادي وثقافي. 3ـ أصبح البدوي يتقبل مفهوم المواطنة بعد أن وُطِّن في الهجر، وابتعد إلى حد ما عن عهد الترحال وظروفه ومتطلباته. وانخرط البدوي في مجتمع الدولة، وأصبح أكثر طاعة وولاء للسلطة المركزية عما كان عليه في السابق. 4ـ عم الأمن والسلام وساد بشكل أوسع، وغدت طرق القوافل وطرق الحجيج آمنة أكثر مما كانت عليه وانعكس أثر ذلك على الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد. 5ـ تعرف البدو إلى حد ما على مفهوم الدولة المنظمة، وقد حل هذا محل سيادة القبيلة. وبذلك يكون التوطين قد نقل البدويّ من حالة الفوضى وعدم الخضوع للنظام إلى حالة من الاستقرار والعيش الهادئ في جو الأمن والطمأنينة والسلام. 6ـ أوجدت حركة التوطين هذه نوعًا من التعليم القائم في أساسه على الجانب الديني. 7ـ أوجدت حركة التوطين قوة عسكرية غير منظمة، لكنها جاهزة تمامًا للخدمة وقت إعلان النفير العام، ووقت الحرب. وأصبحت هذه القوة العسكرية البدوية تشكل أقوى قوة عسكرية في المنطقة، وقد أفاد منها الملك عبدالعزيز إفادة كبيرة أثناء مشروع توحيد البلاد السعودية. 8ـ حطم مشروع التوطين الفردية والفوضوية التي ظلت تسود مجتمعات القبائل المتناحرة والمتنافرة، ووظفت طاقة القتال هذه في خدمة القضايا المشتركة والدفاع المشترك عن الأمة والدولة والدين والوطن. وعندما توطد مبدأ الشعور بالمواطنة سهَّل ذلك عملية توحيد مقاطعات الدولة. 9ـ أوجد مشروع توطين البدو مسؤوليات جديدة للجماعات البدوية، وأوجد أيضًا قيمًا جديدة ممّا جعل البدوي ينظر الى الحياة من خلال نظرة أعمق وأشمل.
الفناء الداخلي لقصر الأمير فيصل بن عبدالعزيز
خارج سور الرياض القديمة، ويعرف بقصر أم قبيس، تحول فيما بعد إلى قصر للضيافة، ثم مقر للمعهد العلمي، أقيمت على أنقاضه المكتبة الوطنية والمدرسة المتوسطة في شارع الملك فيصل. قصر الملك عبدالعزيز
الذي تم بناؤه عام 1936م. بعد إجراء الصيانة له تم تحويله إلى متحف وطني.
البناء التعليمي.
ظل التعليم يسير على النمط التقليدي المتوارث طيلة فترة توحيد البلاد العربية السعودية، فلم يظهر التعليم الحديث المنظم إلى حيز الوجود إلاّ في أواخر العشرينيات من القرن العشرين الميلاديّ بعد أن تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود من إتمام عملية توحيد أقاليم الدولة السعودية في إطار الدولة القوية، الموحدة، إذ نهج الملك عبدالعزيز سبل الإصلاح والتجديد والبناء في كافة البلاد السعودية.
زاد التعليم تطورًا وحداثة بعد ازدياد مخصصاته المالية ضمن ميزانية الدولة بعد اكتشاف النفط كسلعة تجارية مهمة جلبت للدولة السعودية أموالاً طائلة. فأخذ التعليم يتطور في عدد مدارسه ومادته التعليمية وأسلوبه ومنهجه، مبتعدًا تدريجيًا عن أساليب التعليم القديم، وظل في حالة تطور مستمر، وتكفَّلت بجميع ميزانيته الحكومة السعودية، بالإضافة إلى منح الطالب مكافأة شهرية تشجيعًا على طلب العلم. أسس الملك عبدالعزيز آل سعود مديرية المعارف العامة عام 1344هـ، 1926م، وارتبطت بالنائب العام، ويصرّف أعمالها مدير معارف عام، ويعاونه معاون المدير، واقتصر اختصاصها على ما يتعلق بشؤون التربية والتعليم. ولقلة المدرسين استقدمت الحكومة السعودية المعلمين من الخارج، من البلاد العربية المجاورة وعلى رأسها مصر. وأسست الدولة المعهد العلمي ومهمته إعداد المعلمين لمرحلتي الابتدائي والأولي. وقامت الحكومة السعودية بإرسال البعثات التعليمية إلى خارج البلاد خاصة إلى مصر، وقد أرسلت أول بعثة تعليمية للطلاب السعوديين إلى الخارج عام 1346هـ، 1927م.
أنشأت الحكومة السعودية مدرسة تحضير البعثات عام 1354هـ، 1935م، ووضع لها منهج استمد من منهج الدراسة في مصر، واقتصر اختصاصها على تهيئة الطالب السعودي للالتحاق بالمعاهد العليا والكليات الجامعية في مصر وغيرها. وتجسيدا لعناية الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ بالعلوم الشرعية والعربية، أمر بافتتاح دار التوحيد في الطائف لتتولى تدريس هذه العلوم حسب الطرق التربوية الحديثة ـ في ذاك الوقت ـ واختير لها نخبة من علماء الأزهر، إضافة إلى العلماء من السعوديين، وفي عام 1369هـ، 1949م، افتتحت كلية الشريعة بمكة، وتعد أولى المراحل الجامعية في المملكة.
وفي العام نفسه تذاكر جلالة الملك عبدالعزيز مع سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ ـ رئيس القضاة والمفتي الأكبر في المملكة ـ رحمهما الله ـ في أمر حلق تدريس العلوم الشرعية والعربية التي كانت منتشرة آنذاك وتنظيمها لتواكب الأساليب العلمية والتربوية الحديثة، وتنسجم مع أنظمة الشهادات التي بدأ منحها لمن ينهي مرحلة من مراحل التعليم، واستقر الرأي على إنشاء معهد الرياض العلمي وافتتح في شهر ذي الحجة عام 1370هـ، 1950م ثم افتتحت كلية العلوم الشرعية ـ بالرياض ـ عام 1373هـ، 1953م وهذا المعهد وتلك الكلية هما نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
لم يقتصر التعليم على المدن بل امتد إلى القرى والهجر، فتعلم الطلاب في الهجر القرآن الكريم، وأركان الإسلام، والعبادات، ومبادئ القراءة والكتابة، وكان يقوم بالتعليم في القرى والهجر بعض طلبة العلم، ويسمى الواحد منهم (مطوع) وجمعها (مطاوعة) وكان التعليم في البداية يتم إما في منزل المطوع وهو الأعم، وأحيانا في المساجد، ومستواه العلمي محدود جدا، وهي أشبه بالكتاتيب في بداية أمرها، ولما استقرت الأوضاع العامة في المملكة تطورت وازدهرت عن ذي قبل، ونظمت بحيث تكون مدارس نظامية تشبه مثيلاتها في المدن، وترتبط بمديرية المعارف العمومية.
أنشأ الملك عبدالعزيز مدارس خاصة بالأمراء،
كانت في قصره لتعليم صغار الأمراء من أبنائه وأبناء الأسرة السعوديّة، وقد سميت بمعهد الأنجال لأنها في البداية كانت مقصورة عليهم. وأنشأ الأمير فيصل بن عبدالعزيز، النائب العام مدرسة في الطائف سميت بالمدرسة النموذجية يتعلم فيها أبناء الأمراء وغيرهم، ثم نقلت المدرسة من الطائف إلى جدة، وأصبحت بعد ذلك تسمى مدارس الثغر النموذجية بعد أن ضمت إلى وزارة المعارف السعودية.
اهتمت الحكومة السعودية بتعليم الكبار ففتحت المدارس الليلية لهم، ضمن مشروع عام لمكافحة الأمية المنتشرة بكثرة في ربوع البلاد. وشكلت لجنة لترعى شؤون المدارس الليلية سميت لجنة تشجيع المدارس الليلية، ولها فروع في مكة المكرمة والمدينة المنورة والهفوف والرياض وغيرها. وفتحت الحكومة السعودية إلى جانب مدارسالكبار الليلية مدارس لتعليم استخدام الآلة الكاتبة، ومدارس أخرى لتعليم اللغة الإنجليزية.
قفز التعليم في البلاد السعودية قفزة كبيرة حينما أنشئت في البلاد وزارة المعارف السعودية سنة 1373هـ، 1953م. وكان أول وزير للمعارف خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز. وفي عهد هذه الوزارة خطت البلاد السعودية خطوات واسعة جدًا في مجال التعليم في مراحله المختلفة: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والجامعية. كما تقدم التعليم في مجال التعليم الفني (المهني)؛ مثل المدارس الصناعية والكليات التقنية وكذلك التجارية والزراعية من أجل إعداد جيل من أهل البلاد يعمل في الحقل المهني.
أما عن مدارس تعليم البنات، فقد توسعت وتقدمت وتطورت كثيرًا بعد أن أشرفت عليها الجهة المختصة بها، وهي الرئاسة العامة لتعليم البنات
؛ إذ كان تعليم البنات في أول أمره محدودًا ومقصورًا على منطقة دون الأخرى، قبل ظهور التعليم المنظم للفتاة السعودية في ظل الرئاسة العامة لتعليم البنات. وكان تعليم الفتاة السعودية قبل ذلك يقتصر على قراءة القرآن ومبادئ الكتابة والحساب.
خصصت الدولة ميزانية كبيرة لتعليم البنات، مما أدى إلى توسيع دائرة التعليم في هذا المجال في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية للبنات. وفتحت كليات للبنات فيها كل التخصصات الأدبية والعلمية.
وعُني بتدريس العلوم الشرعية في المعاهد العلمية الدينية، أمّا التعليم العسكري فاختصَّت به العسكرية. ومن أبرز معالم التقدم العلمي في المملكة العربية السعودية، أن أصبح فيها اليوم سبع جامعات تضم كل التخصصات العلمية والتطبيقية والنظرية.
قامت شركة النفط العربية الأمريكية، أرامكو بفتح مدارس نموذجية تدرس المناهج السعودية على غرار مدارس الحكومة، وقد خصصت تلك المدارس لأبناء العاملين في الشركة في المنطقة الشرقية من البلاد. وهي مدارس تنفق عليها الشركة المذكورة إسهامًا في خدمة أبناء العاملين فيها. بالإضافة إلى مشروع تعليم الموظفين السعوديين وتثقيفهم.
الصحراء القاحلة تحولت إلى أراض زراعية خصبة.
أخذ الملك عبدالعزيز يهتم تدريجيًا بأمر المياه والزراعة فاستقدم الخبراء الزراعيين من أجل تطوير الزراعة في البلاد، خاصة بعد اكتشاف النفط وتصديره.
البناء في مجال الزراعة.
لم يكن للزراعة، في مطلع عهد التنظيمات والإصلاح في الدولة السعودية الثالثة، حظ كبير من العناية والاهتمام، وذلك لأن البلاد في معظمها أشبه بمناطق بادية وصحراء، والمياه فيها قليلة، والأمطار قليلة وأحيانًا نادرة، بالإضافة إلى صعوبة المواصلات في بلاد واسعة الأرجاء، فيها الصحاري والجبال الشاهقة والوديان، وغير ذلك من معوقات اتساع نطاق الزراعة في ظل وضع عام كانت تسير فيه البلاد بشكل بطيء باتجاه الآلة والأساليب الحديثة. ومما لاشك فيه أن هناك واحات منتشرة هنا وهناك في البلاد السعودية، لكن نظام الزراعة وطرقه ظلت بدائية وقاصرة عن مجاراة الزراعة الحديثة والمتطورة. ولعب ضعف الاقتصاد، وواردات الدولة البسيطة دورًا في هذه المسألة.
فأخذ الملك عبدالعزيز يهتم تدريجيًا بأمر المياه والزراعة، فاستقدم الخبراء الزراعيين والجيولوجيين من أجل تطوير الزراعة في البلاد والبحث عن مواطن المياه فيها، خاصة بعد اكتشاف النفط وتصديره، مما ساهم في ازدياد حجم الميزانية السعودية، خاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فوصلت إلى البلاد بعثات زراعية من العراق ومصر وسوريا. ووصلت بعثة أمريكية عام 1361هـ، 1942م، قامت بدراسة واسعة لمعرفة حجم الأراضي الزراعية في المملكة، ومدى قابليتها للزراعة، ونوع المزروعات التي تلائمها. وقد وجدت البعثة في البلاد السعودية أرضًا زراعية واسعة، ومياهًا ذات مخزون كبير، خاصة المياه المتوافرة في الواحات.
مشروعات السدود
من المشاريع التي أولتها الدولة الحديثة عنايتها لتوفير المياه للزراعة ومنها سد جباجب في الطائف.
أنشأ الملك عبدالعزيز جهازًا إداريًا خاصًا بالزراعة سُمي مديرية الزراعة في رجب عام 1367هـ، أبريل 1948م، وكان مركزها مدينة جدّة. وقد تولاها محمد صالح القزاز. وقامت هذه المديرية بواجباتها ضمن اختصاصاتها، فاستوردت آلات الري والزراعة، وآلات الحفر الخاصة بالآبار الارتوازية، والجرارات الخاصة بالحرث. واستوردت كذلك بعض الأشجار. وعندما تطورت الزراعة تدريجيًا في المملكة، أصبح من الضروري إنشاء وزارة زراعة، وقد شرقي جدة، واستوردت الدولة العثمانية كذلك آلة تقطير، واشترت الحكومة السعودية في عهد الملك عبدالعزيز آلة تقطير أخرى. وظل الوضع في جدّة كذلك إلى أن مدت الحكومة السعودية أنابيب مياه جلبت الماء العذب النقي عام 1367هـ، 1947م، وقد جاءت به الدولة السعودية من عيون وادي فاطمة، وسمي المشروع بمشروع عين العزيزية نسبة الى الملك عبدالعزيز، وقد كلف هذا المشروع حوالي ستة ملايين ريال. أخذت المياه الواردة إلى جدّة تزداد شيئًا فشيئًا. وأنشئ خزان ماء كبير قرب مدينة جدّة يسع مليون جالون ماء. ويُسقى أهل المدينة المنورة من عين الزرقاء. وجلب الماء إلى مدينة الرياض من وادي الباطن، ومن السويدي ثم من الحائر، وحفرت الآبار الأرتوازية الجديدة، وقد تم كل ذلك في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود.
واهتمت الحكومة السعودية لاحقًا بأمر تحلية مياه البحر في المنطقتين: الشرقية والغربية. فأقيمت محطة تحلية في جدّة، تنتج خمسة ملايين جالون من المياه يوميًا وهي قابلة للزيادة، بالإضافة إلى خمسين ألف كيلوواط من الطاقة الكهربائية. وأقيمت محطة للتحلية في مدينة الوجه وأخرى في ضبا الواقعتين على البحر الأحمر، تنتج كل واحدة منهما ستين ألف جالون ماء يوميًا. وأقيمت محطة تحلية في الخفجي تنتج مائة وعشرين ألف جالون يوميًا. ويوجد في مدينة الخبر محطة تحلية تنتج سبعة ملايين ونصف المليون جالون ماء يوميًا، أضف إلى هذا كله ما تنتجه محطة الجبيل من مياه محلاة. وتنتج هذه المحطات طاقات كهربائية هائلة، وبناء عليه فإن التحلية يمكن أن تكون في المستقبل المصدر الرئيسي للمياه بالنسبة للمدن والمنشآت الصناعية على الساحلين: الشرقي والغربي للمملكة.
حل مشكلة المياه.
مما لا شك فيه أن أخصب بلاد المملكة وأغزرها أمطارًا هي بلاد عسير. وهناك واحات خصبة، تتوافر فيها مياه العيون والآبار، مثل الأحساء، والخرج، والأفلاج، والقصيم وغيرها. ويأتي الحجاز في قائمة المناطق الأولى التي تقل فيها المياه. فتوجد في مكة عين زبيدة، يستقي منها سكان مكة والحجاج والمعتمرون. وأما جدّة فمياهها قليلة جدًّا، وقد مدت الدولة العثمانية الأنابيب لجلب المياه من عين الوزيرية الحليّ وصناعات الجلود ودباغة وصناعة الأحذية والقرب، وصناعة الأدوات الحديدية وغير ذلك من الصناعات اليدوية القديمة.
وظلت الصناعات القديمة المتوارثة في البلاد السعودية حتى اكتشاف النفط، وبعد اكتشافه بفترة ليست بطويلة. فقد وفر النفط للمملكة العربية السعودية عوائد مالية ضخمة رفعت من مستوى القوة الشرائية للسكان، ووفرت العملات الأجنبية للدولة، فزاد مستوى الاستيراد من السلع الأجنبية، مما ساعد على قيام نوع من التحدي الوطني في مجال الصناعات المحلية، فتشجع عدد من الأغنياء والممولين السعوديين ففتحوا المصانع بعد أن استقدموا الآلات والخبرة من الخارج، وظهرت بذلك الحركة الصناعية الوطنية منذ منتصف القرن العشرين الميلادي، وأخذت تلك الصناعات تنمو وتزدهر تدريجيًا، آخذة في الازدياد والتنوع لسد حاجة السوق المحلي بعد ازدياد الطلب على السلع الاستهلاكية بسبب ارتفاع دخل الفرد. وقد تطورت الصناعات المحلية وأصبح في مقدورها منافسة الصناعات الخارجية. وظهرت صناعات متطورة في المملكة مثل: صناعة الألبان، طحن الغلال والبن، وصنع المشروبات الغازية والثلج، وصنع الأثاث الخشبي والمعدني، وصنع البلاط والسيراميك والرخام والجرانيت وأنابيب الأسمنت والأدوات الصحية والنحاسية، وأعمال الميكانيكا والخراطة والحدادة، وصياغة الذهب والفضة وغيرها.
وفي عام 1384هـ، 1964م صدر في المملكة نظام حماية الصناعات الوطنية وتشجيعها الذي يقضي بتقديم الحماية والتشجيع والحوافز لرجال الأعمال السعوديين على الاستثمار في المشروعات الصناعية، ودعم المشروعات الصناعية القائمة وقتذاك. وقدمت الدولة القروض بدون فوائد لرجال الأعمال المستثمرين السعوديين عن طريق صندوق التنمية الصناعية، وإعفاء الآلات الصناعية المستوردة من الرسوم الجمركية، وتخفيض سعر الكهرباء والماء، وتأجير الأراضي التي تقام عليها المصانع بأسعار رمزية. فزادت المشروعات الصناعية زيادة كبيرة، وقد اهتمت الدولة بالمشروعات الصناعية ذات القطاع الخاص من أجل تنويع مصادر الدخل الوطني، وتخفيف الاعتماد على النفط وصناعته كمصدر أساسي للدخل الوطني السعودي.
مؤسسة بترومين
وأسست الدولة مؤسسة بترومين
عام 1382هـ، 1962م التي تعرف الآن باسم سابك
من أجل تطوير استغلال البترول والثروة المعدنية في البلاد السعودية، وهي تابعة لوزارة البترول والثروة المعدنية، ووظيفتها توزيع المنتجات النفطية داخل المملكة. ساهمت بترومين في كثير من الشركات الوطنية ذات القطاع الخاص، مثل شركة مصفاة جدّة، وشركة مصفاة الرياض. وأنشأت مصانع للأسمدة (سافكو) في الدمام وأبقيق. وأنشأت شركة بترومين لزيوت التشحيم (بترولوب) وغيرها من الشركات والأعمال ذات الصلة بالنفط.
وشجعت الدولة رأس المال الأجنبي للاستثمار في داخل المملكة، وصدر نظام الاستثمار الأجنبي عام 1384هـ،1964م وذلك بإعطاء رأس المال الأجنبي المزايا التي يتمتع بها رأس المال الوطني، وإعفائه من الضرائب مدة خمس سنوات إذا ساهم فيه رأس المال الوطني بنسبة 25% من رأس المال الكلي.
وشهدت المملكة خلال الخطة الخمسية الثانية 1395-1400هـ، 1975-1980م نشاطًا كبيرًا في مجال الصناعات الوطنية، وازدياد عدد الشركات الوطنية، وازدياد تدفق رأس المال الأجنبي، وازدياد العاملين في نطاق الصناعة والتصنيع، وازدياد كميات السلع المنتجة محليًا، وازدياد الإقبال على شراء السلع الوطنية التي أخذت تنافس السلع الخارجية المستوردة.وظلت الصناعة في المملكة تتوسع بشكل كبير.
أهم الصناعات الحالية في المملكة هي: صناعة توليد الطاقة الكهربائية، وصناعة الإسمنت، وصناعة تحلية مياه البحر، وصناعة الحديد والصلب، وصناعة النفط مثل تكرير الزيت، وتصنيع جميع المنتجات النفطية المتعددة والمتنوعة، وصناعة المعادن، وصناعة الأسمدة، وصناعة المنتجات الغذائية، والصناعات الكيميائية. وأصبحت صناعات المملكة في مجالات المواد الاستهلاكية والنفطية تسد حاجة السوق المحلي وتصدر إلى الخارج.
ويمكن القول بأن الصناعة في المملكة العربية السعودية أخذت تتطور تدريجيًا من صناعة يدوية تقليدية متوارثة إلى صناعة حديثة متقدمة ومتطورة. وقد اتضح هذا التطور من خلال ما وصلت إليه الصناعة المحلية في فترات الخطط الخمسية المتعاقبة إذ أن الخطة الخمسية الأولى بدأت بعام 1390- 1391، 1395- 1396هـ (1970- 1975م).
البناء في مجال الصناعة والتعدين.
منح اللّه البلاد السعودية معادن كثيرة ومتنوعة، مثل: الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزنك والكروم والمغنسيوم والفلورايت والفوسفات والجبس والملح الصخري ومواد الأسمنت التي تتكون من الكلس والسيلكا والألومنيا والصلصال والرمل الزجاجي والكبريت والأسبستوس والرخام والزيت (النفط) والغاز الطبيعي. ويأتي النفط في مقدمتها كمية وقيمة.
ومن المعروف أن البلاد السعودية ظلت تقوم بالصناعات اليدوية لسد حاجة الاستهلاك المحلي من منسوجات المشالح والبسط والسجاد، وصناعة الأواني الفخارية وعمل طواحين الغلال الحجرية، وصناعة السلال والمراوح والأقفاص والحبال، وصناعة الخشب، وصناعة أُنشئت تلك الوزارة بعد حوالي شهر واحد من وفاة الملك عبدالعزيز، وكان ذلك في عام 1373هـ، 24 ديسمبر 1953م، وعُيِّن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز أول وزير لها في 18 ربيع الثاني عام 1373هـ الموافق 24/12/1953م.
وتشير الإحصاءات إلى أن نمو الإنتاج الزراعي في المملكة حقق معدلاً مرتفعًا نسبيًا بلغ 10% في الفترة بين 1962-1970م، بفضل دخل الدولة المتزايد الذي انعكس على المشروعات الزراعية في المياه، وانعكس كذلك على دخل الفرد السعودي.
ظلت الحكومة السعودية ممثلة بوزارة الزراعة تعمل على وضع سياسة زراعية بعيدة المدى، بعد أن أوكلت الدولة لتلك الوزارة مهمة تنمية موارد الأراضي ومصادر المياه في المملكة. فقامت الوزارة باستقدام خبراء المسح الزراعي والمائي، وتعاونت مع خبراء منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) واهتمت الوزارة أيضًا بمشروعات التوسع الزراعي الحديث المتطور الذي يعتمد إلى حد كبير على أساليب التقنية الحديثة، فوفرت مياه الري، وتوسعت في تنويع المحاصيل الزراعية من الخضار والحبوب والفواكه والأعلاف، واهتمت بتطوير زراعة النخيل مما أسهم في ازدياد معدل إنتاج التمور.
ونهجت الدولة السعودية سبلا أسهمت في رفع الإنتاج الزراعي مثل مشروعات توزيع الأراضي البور الصالحة للزراعة، ومشروعات استخدام الآلات الزراعية الحديثة، ومشروعات مساعدة المزارعين ومدهم بالآلات الزراعية، وحفر الآبار، والبذور الزراعية، وشراء القمح من المزارع السعودي، وغيرها من المشروعات الحكومية التي تعمل على تطوير العمل الزراعي والإنتاج الزراعي.
الطرق ووسائل النقل الحديثة.
كانت الطرق في البلاد السعودية، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، طرقًا قديمة وليست معبدة. وتعدّ الطرق التي أنشأتها أرامكو هي أول طرق معبدة وحديثة في البلاد السعودية، إذ عبدت الشركة طرقًا في المنطقة الشرقية بين مراكز الشركة الإدارية ومراكز العمل النفطي بين الظهران والدمام والخبر وأبقيق وبين آبار الزيت وحقوله المختلفة.
وفي مطلع السبعينيات من القرن الرابع عشر الهجري (الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي) بدأت الحكومة السعودية تعمل على تعبيد الطرق في المنطقة الشرقية والوسطى والغربية، خاصة طرق الحج. واستمرت الدولة في شق الطرق المعبدة بين المدن الرئيسية ثم بينها وبين البلدان والقرى، علمًا بأن الطرق المعبدة تساهم بقدر كبير في نمو الحركة الاقتصادية والحضارية في البلاد. وقد تطورت المواصلات البرية وطرقها كثيرًا في البلاد السعودية على مدى الخطط الخمسية المطبقة في المملكة العربية السعودية، وأصبحت مدن المملكة وبلدانها وقراها ترتبط معًا بشبكة مواصلات بريّة عظيمة، وعمت البلاد الطرق المعبدة الواسعة والجسور والأنفاق. وارتبطت مع البلاد العربية بشبكة مواصلات بريّة سهلة وممتازة.
خط السكك الحديدية،
بدأ العمل به في عام 1366هـ، 1947م ليربط بين الدمام وأبقيق عن طريق الظهران. ووصل الخط الحديدي إلى مدينة الهفوف عام 1369هـ، 1949م ثم إلى حرض والخرج عام 1370هـ، 1950م ووصل الرياض عام 1371هـ، 1952م.
وبدأ العمل بمد خط سكة حديد يربط بين مدينة الدمام وأبقيق عن طريق الظهران، وذلك في ذي القعدة عام 1366هـ، 1947م. ووصل الخط الحديدي إلى مدينة الهفوف عام 1369هـ، 1949م، ثم مد الخط إلى حرض في العام نفسه، ثم إلى الخرج عام 1370هـ، 1950م، ثم وصل الرياض عام 1371هـ، 1952م. وهو الخط الحديدي الوحيد في المملكة العربية السعودية، ويستخدم لنقل الركاب والبضائع.
أما عن الطرق البحرية فهناك ميناء رأس تنورة على ساحل الخليج، وهو أهم ميناء لتصدير النفط في المملكة العربية السعودية. وميناء رأس الخفجي الذي أنشأته شركة الزيت العربية (اليابان). وميناء سعود في المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية، وهذان الميناءان يصدر منهما النفط المستخرج من المنطقتين المذكورتين. وميناء الدمام وهو منفذ بحري مهم على ساحل الخليج في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وهو ميناء يستقبل كل البضائع التي تصل إلى المملكة من الخارج عن طريق الخليج العربي، ومنه تصدر المملكة البضائع الوطنية. وهناك ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر، وهو يستقبل كل البضائع المستوردة والتي تصل إلى المملكة عن طريق البحر الأحمر، وهو أيضًا يستقبل الحجاج القادمين من الخارج، ومنه يعودون إلى بلادهم بحرًا. كما أن جميع البضائع المحلية المصدرة عن طريق البحر الأحمر يتم تصديرها عبره. وهناك ميناء ينبع على البحر الأحمر، وميناء جازان، بالإضافة إلى ميناء الجبيل وهو مرفأ صغير نسبيًا يقع على ساحل الخليج العربي.
أما عن الطرق الجوية فهناك مطارات دولية مثل مطار الملك خالد الدولي، ومطار الملك عبدالعزيز الدولي، ومطار الظهران الدولي. بالإضافة إلى عدد كبير من المطارات المحلية الموزعة على مدن المملكة. وحركة النقل الجوي في المملكة حركة دؤوبة.
ظاهرة الأمن في المملكة.
إن ظاهرة الأمن في البلاد العربية السعودية ظاهرة فريدة ومميزة، فالأمن في السعودية كان ومازال مضرب المثل. وقد استطاع الملك عبدالعزيز أن يرسي قواعد الأمن لا في الحاضرة فقط، وإنما في البادية أيضًا. وظل الأمن الذي أرسى دعائمه الملك عبدالعزيز مستتبًا في ظل الحكومات السعودية التي تعاقبت على الحكم من بعده. وقد تطورت أجهزة الأمن تطورًا عظيمًا في ظل وزارة الداخلية السعودية، فاطمأن المواطن والمقيم. وسهرت إدارات الأمن العام، والدفاع المدني، والمرور والنجدة، وسلاح الحدود على راحة الأهالي وأمنهم وسلامتهم. وقد تطورت تلك الأجهزة الأمنية، وتطور معها رجل الأمن من خلال التدريب الجيد، والدراسات ذات الصلة بالأمن، ومن خلال فتح المؤسسات الأمنية والكليات المختصة مثل كلية الملك فهد الأمنية، والمعاهد ذات الاختصاص بشؤون الأمن وغيرها.
هذا وقد تطورت أجهزة الدفاع البري والجوي والبحري في ظل وزارة الدفاع والطيران. وأصبح الجندي السعودي مدربًا تدريبًا جيدًا على أساليب القتال، وعلى الأسلحة الحديثة والمتطورة. وقامت وزارة الدفاع والطيران السعودية بفتح عدد كبير من المدارس الحربية والكليات العسكرية البرية والجوية والبحرية، مثل كلية الملك عبدالعزيز الحربية، وكلية الملك فيصل الجوية، بالإضافة إلى البعثات العسكرية التي ترسلها وزارة الدفاع والطيران إلى أنحاء العالم لتدريب أفراد القوات العربية السعودية في مجالات العسكرية المختلفة. كما أنشأت الوزارة عددًا كبيرًا من المستشفيات العسكرية لعلاج أفراد القوات العربية السعودية.
المملكة في المؤسسات الدولية.
المملكة العربية السعودية عضو في جامعة الدولة العربية منذ قيامها عام 1364هـ، 1945م، وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1364هـ، 1945م، وهي عضو أيضا في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي أغلب المؤسسات الدولية ذات الأغراض الإنسانية. وهي عضو في الأوبك والأوابك. وتساهم المملكة بقدر كبير في المجالات الدولية، وفي القضايا المعاصرة خاصة القضايا الإسلامية منها، مثل: القضية الفلسطينية، والقضية الأفغانية، وقضايا المسلمين في المناطق التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي (السابق)، وقضية البوسنة والهرسك، وقضايا المسلمين في كل مكان، والمملكة عضو أساسي في رابطة العالم الإسلامي، وهي التي تحتضن مؤسساتها وترعاها وتدعمها بالمال والرعاية والاهتمام.






 
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:59 AM بتوقيت مسقط


 
http://www.museumsalama.com/vb/asaelsoud/f.gif